بين 20 فبراير و"جيل زد".. هل تغير وجه الاحتجاج المغربي بعد 15 عاماً؟
منذ ساعتين
بين فبراير 2011 وفبراير 2026، لم تمر خمسة عشر عاماً فقط، بل شهد الشارع المغربي تحولات عميقة في “جينات” الاحتجاج. فإذا كانت حركة 20 فبراير قد وُلدت من رحم “فايسبوك” قبل أن تستقر في الساحات، فإن احتجاجات “جيل زد” وُلدت في منصة “ديسكورد” لتبحث لها عن موطئ قدم في الواقع. فهل نحن أمام استمرار لنفس النضال، أم أن الوسيلة الرقمية أعادت تشكيل مساره؟
تحلّ اليوم الجمعة ذكرى حركة 20 فبراير، فيما يعيش المغرب على صدى موجة احتجاجية جديدة قادها شباب “جيل زد”، وهو جيل لم يعايش بالضرورة تفاصيل ربيع 2011، لكنه وجد نفسه في مواجهة أسئلة مألوفة حول الكرامة والعدالة الاجتماعية. وما زال المئات من شباب هذا الجيل يواجهون تبعات خروجهم إلى الشارع باعتقالات ومحاكمات متواصلة.
في هذا الصدد، يرى المحامي هشام الزياري، عضو هيئة دفاع معتقلي شباب “جيل زد”، أن ثمة خيطاً ناظماً يربط بين التجربتين، مشيراً إلى أن “ما ظل ثابتاً بشأن الحراكين معاً هو كونهما نتيجة فعل شبابي مغربي”، مبرزاً أن الإعلان عنهما تم عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يتجسدا ميدانياً عبر الاحتجاج.
ويضيف الزياري، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أنه يمكن اعتبار حراك “جيل زد” امتداداً لروح 20 فبراير من حيث “تكسير هاجس الخوف لدى الشباب والقدرة على الحشد عبر المنصات الاجتماعية ورفع مطالب واضحة”، وإن كانت هذه المطالب تختلف من حيث سقفها بين التجربتين.
من جانبه، يقدم الناشط السابق في حراك 20 فبراير بمدينة طنجة، محمد الموساوي، مقارنة تعيد رسم المسافة بين الجيلين، معتبراً أن الاختلاف لا يكمن في الشعارات المرفوعة فحسب، بل في “البنية وروح العلاقة الإنسانية” التي تُنسج على هامش الفعل الاحتجاجي.
ويقول الموساوي إنه عندما يستعيد تجربته في حراك 20 فبراير بطنجة ويقارنها بحراك “جيل زد”، لا يجد نفسه أمام اختلاف في الشعارات فقط، بل أيضاً في البنية وفي طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل على هامش الاحتجاج. ويوضح أن نشطاء 20 فبراير كانوا يستعملون وسائل التواصل الاجتماعي أساساً “كأدوات للتنسيق، لا كفضاء بديل عن الواقع”، إذ كانت الصفحات تُعلن والمجموعات تُرتّب، بينما كان القرار “يُصاغ في الاجتماعات الحضورية حيث الوجوه متقابلة والنقاشات طويلة وأحياناً حادة”.
ويصف تلك المرحلة بأنها قامت على حضور جسدي كثيف منذ لحظة التفكير الأولى، ينتهي إلى توافقات تُختبر في الشارع. وبحسبه، فإن هذا النمط من العمل أنتج علاقات إنسانية كثيفة داخل الحراك، من صداقات وثقة متبادلة وشعور جماعي بأن ما كان يُبنى يتجاوز الوقفة الاحتجاجية نفسها.
في المقابل، يلاحظ الموساوي أن جزءاً مهماً من تحركات “جيل زد” اختار عقد جموعه العامة في الفضاء الرقمي، خصوصاً عبر منصة “ديسكورد”، وهو ما يعكس -في نظره- تحوّلاً جيلياً وتكنولوجياً واضحاً، لكنه يغيّر أيضاً طبيعة العلاقة بين الفاعلين. فحين يصبح الاجتماع افتراضياً، كما يقول، “تُختزل حرارة النقاش وتضعف الروابط التي تُنسج عادة في التفاصيل الصغيرة المحيطة بالفعل الميداني”.
ويضيف أن الفضاء الرقمي يمنح سرعة في التعبئة والوصول، “لكنه لا يعوّض تماماً عمق التجربة المشتركة التي يصنعها الحضور الفيزيقي”. ويبرز الفرق أيضاً في الوتيرة الزمنية، إذ يشير إلى أن الخروج في 20 فبراير كان يتم غالباً بشكل أسبوعي، في إيقاع يسمح بالتقييم وإعادة التنظيم وتوسيع النقاش، وكانت كل مسيرة محطة لتجديد النفس الجماعي.
أما في تجربة “جيل زد”، فقد اتسمت البداية بوتيرة شبه يومية، وهو ما منح الحراك زخماً سريعاً، لكنه -بحسب الموساوي- استنزف الطاقات بالوتيرة نفسها، مبرزاً أنه عندما تتسارع الأحداث أكثر مما تحتمله البنية التنظيمية يصبح التعب عاملاً حاسماً في مسار أي حراك.
وعلى مستوى المطالب، يلفت المتحدث إلى أن حراك 20 فبراير تميّز بمزج واضح بين السياسي والاجتماعي -دستور ديمقراطي، فصل السلط، محاربة الفساد- إلى جانب مطالب اجتماعية مرتبطة بالكرامة والعدالة، مع وعي بأن الاجتماعي لا ينفصل عن السياسي. في المقابل، انطلقت تحركات “جيل زد” أساساً من مشاكل اجتماعية واقتصادية ملموسة دون بلورة أفق سياسي واضح أو مطالب مؤطرة بنفس إصلاحي شامل، وهو ما انعكس -في تقديره- على طبيعة الخطاب والتحالفات الممكنة.
هذا ما يزكيه هشام الزياري، عضو المكتب الفدرالي لجمعيات المحامين الشباب بالمغرب، مشيراً إلى وجود فروق جوهرية بين الحراكين، موضحاً أن حركة 20 فبراير “رفعت مطالب سياسية كبرى” من قبيل الدعوة إلى دستور جديد ناتج عن جمعية تأسيسية منتخبة، إلى جانب شعار “إسقاط الفساد والاستبداد”، ومطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. كما يلفت إلى أن الحراك آنذاك واكبه “زخم احتجاجي كبير” تمثل في مسيرات ووقفات بالمئات عبر مختلف مناطق المغرب، فضلاً عن الدعم الذي حظي به من تنظيمات سياسية وحقوقية وقوى مدنية.
أما بخصوص احتجاجات “جيل زد”، فيرى الزياري أنها جاءت “بمطالب محددة أساساً في التعليم والصحة” دون الخوض في مطالب سياسية مماثلة لما طُرح سنة 2011، ما يعني أن “سقف المطالب كان محدوداً في هذا الإطار”. ويضيف أن هذه الاحتجاجات، وبفعل ما وصفه بـ“القمع والمحاكمات التي ووجهت بها”، خفت صوتها تدريجياً “إلى حد الاندثار”.
وتنظيمياً، يعتبر الموساوي أن حركة 20 فبراير كانت أكثر تماسكاً في سياقها، بفضل وجود لجان وتنسيقيات محلية ووطنية ونقاشات مستمرة وإحساس بامتداد زمني مفتوح، وهو ما ساعدها على الاستمرار الميداني لفترة أطول. في المقابل، يرى أن تجربة جيل زد “كشفت قدراً من الهشاشة التنظيمية في غياب هياكل واضحة وقواعد اشتغال مستقرة”، وهو ما يفسر قصر مدة الحراك في بعض محطاته.
ومع ذلك، يشدد الموساوي على أنه لا يمكن النظر إلى التجربتين بمنطق المفاضلة البسيطة، فلكل واحدة سياقها التاريخي وأدواتها. فحراك 20 فبراير “كان ابن لحظة إقليمية مشحونة برياح التغيير، بينما يتحرك جيل زد داخل زمن رقمي سريع الإيقاع تتبدل فيه أشكال التعبئة والاحتجاج بسرعة”.
وفي السياق نفسه، يؤكد الزياري أن حراك “جيل زد” يظل تجربة جديرة بالدراسة، لأنها شكلت “جواباً صريحاً على من ظن يوماً أن شباب اليوم لا دور لهم في الحياة السياسية والمشهد الحقوقي بالمغرب”، معتبراً أنهم تحولوا إلى “قوة ضاغطة” ساهمت مباشرة في إقرار الرفع من ميزانية التعليم، قبل أن يرجح أن يكون دور هذا الحراك قد استُنفد بالنظر إلى طبيعة المطالب التي رفعها.
وعن طريقة تعامل السلطات، يرى الزياري أن المقاربة تجاه الحراكين “تتأرجح بين السماح بتنظيم الاحتجاجات في بدايتها، ثم سرعان ما يتم قمعها بعد ذلك”. ويستحضر في هذا السياق ما شهده حراك 20 فبراير من سقوط قتلى، من بينهم كمال العماري، إضافة إلى اعتقال مئات الشباب وإحالتهم على القضاء، مشيراً إلى أن الخلاصة البارزة هي أن السلطات تعاملت مع الحراكين عبر “القمع والاعتقال والزج بالمحتجين في السجون بأحكام قضائية قاسية في عدد من الملفات المعروضة”.
أما الموساوي فيخلص إلى أن شكل التنظيم “ليس تفصيلاً تقنياً فقط، بل عامل ينعكس مباشرة على نوع العلاقات الإنسانية التي تُبنى وعلى قدرة الحراك على الاستمرار”، مبرزاً أن جوهر المقارنة اليوم يكمن في سؤال أعمق: هل تُبنى الجماعة في الساحات أولاً ثم تمتد إلى الشاشات، أم تُبنى على الشاشات بحثاً عن ساحة؟
يعد حراك 20 فبراير النسخة المغربية من “الربيع العربي” الذي اجتاح المنطقة سنة 2011. انطلقت الحركة من نداءات قبل أن تتحول إلى مسيرات ضخمة شملت أكثر من 50 مدينة مغربية. وتميزت هذه الحركة بكونها ائتلافاً عريضاً جمع بين شباب مستقلين ويساريين وإسلاميين ونشطاء من الحركة الأمازيغية.
تركزت مطالبها على “الملكية البرلمانية”، و”فصل السلط”، و”محاربة الفساد والاستبداد”، وتحقيق “العدالة الاجتماعية”. وقد تُوّج هذا الحراك بخطاب ملكي في 9 مارس 2011، أفرز انتخابات سابقة لأوانها ودستوراً جديداً وصفته القوى التي قادت الحراك بأنه غير ديمقراطي.
ويرى مراقبون أن هذا الحراك غيّر وجه الشارع المغربي، بعدما أسقط جدار الخوف في صفوف الشباب، وأزال الحواجز بين تنظيمات سياسية مختلفة، بينها جماعة العدل والإحسان، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، والحزب الاشتراكي الموحد، مما شكل بداية لتوحيد جهودها والتنسيق الميداني المستمر منذ ذلك الحين.
وفي وقت قريب، برز “جيل زد” كفاعل احتجاجي جديد بمواصفات مختلفة، نشأ في حضن العولمة الرقمية ونقل “المقر النضالي” من مقرات الأحزاب والجمعيات إلى خوادم منصة “ديسكورد”. رفع هذا الجيل شعارات تطالب بتحسين جودة التعليم والرعاية الصحية وفرص الشغل ومحاربة الفساد، إضافة إلى انتقادات لسياسات الإنفاق التي اعتبروها تفضل المشاريع الكبرى مثل ملاعب كأس العالم والفنادق على الخدمات الأساسية، وصولاً إلى المطالبة برحيل رئيس الحكومة عزيز أخنوش.
وتميزت احتجاجات هذا الجيل بكونها “لامركزية” وقطيعتها مع التنظيمات السياسية التي عبرت مجموعة منها عن دعمها لحراك الشباب خاصة التي كانت منخرطة في حراك 2011. واستخدم “جيل زد” منصات مثل “ديسكورد” و”تيك توك” و”إنستغرام” كغرف عمليات لإدارة غضبه، الذي بدأ زخمه الميداني قوياً في مدن عدة من بينها الرباط والدار البيضاء ومراكش ووجدة، قبل أن يخفت سريعًا في ظرف أيام قليلة.
...لماذا التصفح على التطبيق احسن
أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة
