حين يتحول الطعن في الدين إلى خطاب يومي… من يحمي الأمن الروحي للمغاربة؟
منذ 15 يوم
حين يتحول الطعن في الدين إلى خطاب يومي… من يحمي الأمن الروحي للمغاربة؟
هوية بريس – عابد عبد المنعم
لم يعد استهداف الدين في المغرب مجرد مواقف فكرية معزولة أو نقاشات أكاديمية محدودة، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى خطاب متكرر ومتنام عبر منصات التواصل والإعلام الرقمي. أسماء مثل الفايد، عصيد، أيلال، مايسة، المسيح، رفيقي، وعبد الخالق كلاب.. أصبحت بالنسبة لكثير من المتابعين مرتبطة بخطابات لا تتوقف عن مهاجمة الدين في نصوصه ورموزه وعلمائه وتاريخه، سواء عبر الطعن المباشر، أو التشكيك في محكماته، أو الدعوة الصريحة إلى التحرر من ثوابته.
ومع موجة الانفتاح الرقمي وتوسع فضاءات التعبير، بات المتابع المغربي يتعرض يوميا لسيل من المضامين التي تمس المرجعية الدينية للمجتمع، في خطاب يتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقاش الفكري إلى الاستفزاز المقصود أو التحريض المباشر على القطيعة مع الدين. وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه الظاهرة وأهدافها، ومدى تأثيرها في مجتمع ظل عبر تاريخه متماسكا حول مرجعية دينية واضحة.
إن المغرب، بحكم تاريخه ومؤسساته، له مرجعية وصلبة شكلت على مدى قرون إطارا جامعا حافظ على وحدة المغاربة الدينية وساهم في استقرارهم الاجتماعي. غير أن هذا التوازن بدأ يتعرض لضغوط متزايدة في زمن السيولة الرقمية، حيث تختلط حرية التعبير بمحاولات التشكيك المنهجي في الثوابت، وتتحول بعض المنصات إلى فضاءات مفتوحة لاستهداف المقدسات دون ضوابط.
وفي ظل ما ينتظر المغرب، كما غيره من الدولالإسلامية، من تحديات جيوسياسية واقتصادية وثقافية كبرى، يصبح الحفاظ على الوحدة الدينية والعقدية ضرورة استراتيجية، لا مجرد موقف عاطفي أو رد فعل ظرفي. فالتاريخ القريب والبعيد يبين أن تفكيك المرجعيات المشتركة داخل المجتمعات يفتح الباب أمام الانقسام والتوتر وفقدان البوصلة الجماعية.
وإذا كان النقاش الفكري الحر جزءا من حيوية المجتمع، فإن الدعوة الصريحة إلى الإلحاد أو السخرية من المقدسات أو الطعن في رموز الدين تتجاوز حدود النقاش إلى المساس بالنظام القيمي للمجتمع. وهو ما يجعل السؤال مطروحا بإلحاح حول دور مؤسسات الدولة في حماية الأمن الروحي والأخلاقي للمغاربة، ليس فقط بدافع الغيرة على الدين، بل أيضا من منظور واقعي يتعلق بالاستقرار المجتمعي.
ففي العالم اليوم، تعود دول كبرى إلى جذورها المرجعية باعتبارها جزء من قوتها الرمزية والسياسية. فروسيا المعاصرة تستند في جزء من خطابها الفكري إلى أطروحات ألكسندر دوغين حول الهوية الحضارية، بينما لا يتردد قادة كيان الاحتلال في استدعاء النصوص التوراتية علنا لتبرير خطواتهم العسكرية والسياسية. وحتى في الولايات المتحدة، جل رؤسائها ينتمون إلى الإنجيلية الصهيونية، وقد اعتبر بوش الصغير حربه على العراق حربا صليبية.
هذه الأمثلة تكشف أن الهوية الدينية والثقافية ليست عبئا على الدول، بل عنصر قوة ورمز تماسك. ومن ثم فإن حماية المرجعية الدينية في المغرب ليست خيارا ثانويا، بل جزء من حماية الأمن القومي والمجتمعي.
ومن هنا تتعاظم مسؤولية المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى جانب المؤسسات العلمية والتربوية والإعلامية، في تحصين الفضاء العام معرفيا وقيميا. فالمطلوب ليس فقط الرد على الخطابات المتطرفة في الاتجاه اللاديني، بل أيضا بناء خطاب علمي رصين يوضح للناس حقيقة الدين ويحصن الأجيال من التشويش الفكري.
كما يظل تفعيل القوانين المؤطرة للنظام العام الديني والأخلاقي أمرا ضروريا، خاصة عندما يتحول الخطاب من مجرد رأي إلى دعوات صريحة تستهدف تقويض المرجعية الدينية للمجتمع أو الإساءة إلى مقدساته.
لقد دخل المغرب، مثل باقي دول العالم، زمن الفضاء المفتوح حيث تنتقل الأفكار بسرعة غير مسبوقة. وفي مثل هذا الزمن، يصبح الصمت الطويل أمام بعض الخطابات الاستفزازية أو التحريضية عاملا مساعدا على انتشارها. لذلك فإن حماية الهوية الدينية للمغاربة ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الدولة ومؤسساتها، وتمتد إلى العلماء والمثقفين والإعلاميين، وتنتهي عند وعي المجتمع نفسه.
فالهوية حين تُترك بلا حماية فكرية ومؤسساتية تتحول مع الوقت إلى ساحة عبث، أما حين تُصان بالعلم والحكمة والقانون فإنها تبقى عنصر قوة واستقرار للأمة.
...لماذا التصفح على التطبيق احسن
أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة

