دورية جرائم الشيك… من منطق الزجر إلى فلسفة التسوية وحماية المعاملات

منذ 4 ساعات

دورية جرائم الشيك… من منطق الزجر إلى فلسفة التسوية وحماية المعاملات

في سياق تنزيل الإصلاحات التشريعية الرامية إلى تحديث السياسة الجنائية وترشيد اللجوء إلى المتابعة الزجرية، صدرت دورية جديدة عن رئاسة النيابة العامة تهم كيفية تفعيل مقتضيات القانون رقم 71.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، وخاصة ما يرتبط بجرائم الشيك، في تحول تشريعي وعملي يحمل أكثر من دلالة قانونية واقتصادية في آن واحد.

الدورية، التي جاءت مباشرة بعد دخول القانون حيز التنفيذ بتاريخ 29 يناير 2026، لم تكن مجرد توجيه إداري، بل شكلت خريطة طريق واضحة لعمل النيابة العامة، واضعة حداً لحالة الارتباك التي كانت تطبع تدبير هذا النوع من القضايا، ومؤسسة لمرحلة جديدة قوامها التوازن بين حماية الثقة في الشيك كأداة وفاء، وضمان حقوق الساحب، دون الإضرار بالدورة الاقتصادية أو المساس بمبدأ الشرعية الجنائية  .

جوهر هذه الدورية يقوم على إعادة الاعتبار لمنطق التسوية قبل الزجر، حيث أكدت على أن الأصل في جرائم الشيك لم يعد هو المتابعة السالبة للحرية، بل إتاحة الفرصة للساحب من أجل تصحيح وضعيته، سواء عبر الأداء أو قبول الشيك على سبيل الضمان، مقابل أداء غرامة مالية محددة قانوناً. وهو ما يعكس تحولا واضحا في فلسفة المشرع، التي لم تعد تعتبر الساحب مجرما بالضرورة، بل طرفاً في علاقة تجارية قابلة للإصلاح متى توفرت النية الحسنة.

كما شددت الدورية على أن النيابة العامة مطالبة، قبل تحريك الدعوى العمومية، بالتحقق من احترام الشروط القانونية الجديدة، خاصة ما يتعلق بإثبات رفض الأداء، وتفعيل مسطرة التسوية داخل الآجال المحددة، مع التنصيص الصريح على أن التنازل أو الصلح أصبحا سببا من أسباب سقوط الدعوى العمومية أو إيقاف تنفيذ العقوبة، متى استوفت الشروط القانونية المرتبطة بأداء مبلغ الشيك أو الغرامة  .

ومن بين النقاط المفصلية التي توقفت عندها الدورية، التأكيد على إلغاء العقوبات الحبسية في بعض صور جنحة إصدار شيك بدون مؤونة، وتعويضها بغرامات مالية متناسبة مع قيمة الشيك، في خطوة تهدف إلى الحد من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، وربط الجزاء الجنائي بالفعل الاقتصادي الحقيقي، لا بالوضعية الاجتماعية للساحب.

ولم تغفل الدورية التنبيه إلى ضرورة توحيد العمل القضائي، وتفادي أي تأويل موسع من شأنه إفراغ النص من محتواه الإصلاحي، داعية إلى التطبيق الفوري للمقتضيات الجديدة حتى على القضايا الرائجة، ما دامت لم يبت فيها بحكم نهائي، انسجاماً مع القواعد الدستورية المتعلقة بتطبيق القانون الأصلح للمتهم.

إن قراءة متأنية لهذه الدورية تكشف أنها ليست مجرد إجراء تقني، بل تعبير صريح عن توجه الدولة نحو عدالة اقتصادية ذكية، لا تقوم على العقاب المجرد، بل على إصلاح الخلل وحماية الثقة في المعاملات، دون التفريط في هيبة القانون أو حقوق المتضررين.

وبين من يرى في هذا التحول تخفيفاً مفرطاً، ومن يعتبره ضرورة اقتصادية ملحة، يبقى الرهان الحقيقي معقوداً على حسن تنزيل هذه المقتضيات ميدانياً، وعلى وعي المتعاملين بأن الشيك، رغم مرونة النظام الجديد، يظل التزاماً قانونياً خطيراً لا يقبل العبث أو سوء النية.

عزيز بنحريميدة

مدير جريدة صوت العدالة

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من صوت العدالة ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة