حين تختنق الطبقة الوسطى في المغرب .. من يطفئ نار الاحتقان الاجتماعي القادمة؟ – Maroc 24
منذ ساعتين
بقلم : عبد الحكيم العياط
لم يعد الحديث عن تآكل الطبقة الوسطى في المغرب توصيف أكاديمي بارد ولكن أصبح سؤال وجودي يتعلق بمستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي . فالطبقة الوسطى ليست مجرد فئة دخل بين الفقر والثراء، بل هي المجال الحيوي الذي تتشكل فيه قيم الاعتدال، ويُبنى فيه التوازن بين الدولة والمجتمع، وتترسخ من خلاله الثقة في المؤسسات. وحين تضيق هذه المساحة، يضيق معها هامش الأمل.
خلال السنوات الأخيرة، واجهت الأسر المغربية متوسطة الدخل صدمات متلاحقة: آثار الجائحة، ثم موجة غلاء مرتبطة بتقلب أسعار الغذاء والطاقة، إضافة إلى عوامل داخلية مرتبطة ببنية السوق وارتفاع كلفة العيش في المدن. وفي هذا السياق، سجلت معدلات تضخم مرتفعة مقارنة بما اعتاده المغرب تاريخيا، إذ بلغ معدل التضخم 6.6% سنة 2022 و6.1% سنة 2023 وفق معطيات رسمية من المندوبية السامية للتخطيط . هذه الدينامية انعكست مباشرة على القدرة الشرائية للأجراء والموظفين وأصحاب المهن والخدمات، أي على “القلب الصلب” للطبقة الوسطى.
هذه الأرقام تحولت من مجرد معطيات تقنية الى مرآة تعكس تحولات عميقة في بنية المجتمع العربي. فارتفاع تكاليف السكن والتعليم والصحة وتراجع جودة الخدمات العمومية واتساع الاقتصاد غير المهيكل، كلها عوامل تدفع شرائح واسعة من الطبقة الوسطى نحو الهشاشة. لم يعد الموظف أو الأستاذ أو الإطار المتوسط قادرا على الادخار أو التخطيط بعيد المدى، بل بات يعيش تحت ضغط يومي عنوانه الخوف من الانزلاق إلى الفقر.
سياسيا، يشكل هذا الوضع مفارقة خطيرة. فالطبقة الوسطى تاريخيا هي حاملة مشاريع الإصلاح التدريجي، وهي التي تطالب بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتدافع عن الاستقرار في آن واحد. لكن حين تشعر هذه الفئة بأن قواعد اللعبة لم تعد منصفة، وأن فرص الترقي الاجتماعي أُغلقت، فإنها قد تنتقل من موقع الضامن للاستقرار إلى موقع الناقم عليه. الاحتجاجات التي عرفتها المغرب خلال العقد الماضي لم تكن في جوهرها انتفاضات فقراء فقط، بل شاركت فيها بقوة شرائح متعلمة تنتمي إلى الطبقة الوسطى شعرت بأن مستقبلها يُسحب منها ببطء.
الأخطر من ذلك أن بعض السياسات العمومية تبدو وكأنها تتعامل مع تآكل الطبقة الوسطى كأثر جانبي مقبول في سبيل “توازنات مالية” قصيرة الأمد. غير أن تجاهل البعد الاجتماعي للتقشف والإصلاحات الهيكلية قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فالمجتمع الذي ينقسم بين أقلية ثرية جدا وأغلبية تعاني اقتصاديا يصبح أكثر عرضة للاستقطاب، وأكثر هشاشة أمام الصدمات، وأقل قدرة على امتصاص الأزمات.
وفي الأخير ومن منظور علم السياسة، العلاقة واضحة: كلما اتسعت الفوارق الاجتماعية وانهارت آليات الحركية الاجتماعية، ارتفعت احتمالات الاحتقان. الثورات لا تنفجر فجأة، بل تتشكل تدريجيا في بيئة يغيب فيها الأفق. وعندما تفقد الطبقة الوسطى ثقتها في إمكانية تحسين وضعها عبر القنوات المؤسسية، تبدأ شرعية النظام السياسي في التآكل.
إن إنقاذ الطبقة الوسطى ليس شعار شعبوي بل هو خيار استراتيجي. ويتطلب ذلك سياسات ضريبية أكثر عدالة، واستثمار حقيقي في التعليم والصحة العموميين، ودعم للمقاولات الصغرى والمتوسطة، وربط الإصلاحات الاقتصادية بحماية اجتماعية فعالة. فالتنمية التي لا تُعيد توزيع ثمارها بشكل منصف تتحول إلى عامل تفكيك بدل أن تكون عامل استقرار.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم بجرأة هو: هل تدرك الدولة أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى موجة جديدة من الاضطرابات؟ التاريخ المغربي يعلمنا أن الاحتقان الاجتماعي يتراكم تدريجيا، والطبقة الوسطى هي المؤشر الأول الذي يمكن أن يشعل حراك شعبي إذا لم تُراع مصالحها. حماية هذه الفئة ليست رفاهية، بل استثمار في استقرار المغرب وأمل مستقبله.
Shortened URL .shorten_url { /* Removed border and padding */ margin-bottom: 10px; /* Add some spacing between the text and the button */ } .shorten_url #shortened_link { display: none; /* Hide the shortened link */ } .copy_button { } نسخ الرابط ...
لماذا التصفح على التطبيق احسن
أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة

