مسار الإصلاح القضائي بالمغرب بعد خطاب 9 مارس.. بين الطموح والتنزيل الفعلي
منذ ساعتين
أميمة حدري
حلت أمس الإثنين، الذكرى الـ 15 لخطاب 9 مارس 2011، الذي ألقاه الملك محمد السادس، وهو الخطاب الذي جاء في سياق إقليمي خاص، تميز باحتجاجات سياسية واجتماعية في عدد من المدن المغربية قادتها حركة 20 فبراير، مطالبة بإصلاحات سياسية ودستورية عميقة.
وفي خضم هذا الظرف، أعلن الملك في خطابه عن إطلاق ورش تعديل دستوري شامل، اعتبره العديد من المتابعين آنذاك، خطوة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي والمؤسساتي بالمملكة.
إنشاء المجلس الأعلى للسلطة القضائيةخطاب 9 مارس، تميز بكونه جاء خارج المواعيد الوطنية التقليدية للخطابات الملكية، وهو ما أعطاه دلالة سياسية خاصة، حيث أعلن الملك عن مراجعة دستورية تقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من بينها توسيع مجال الحريات، وتعزيز فصل السلط، وتقوية دور المؤسسات الدستورية، إضافة إلى الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة.
وقد نص الخطاب صراحة على ضرورة “الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة وتعزيز صلاحيات المجلس الدستوري توطيدا لسمو الدستور ولسيادة القانون والمساواة أمامه”، وهو ما شكل أحد أهم المحاور التي بني عليها الإصلاح الدستوري اللاحق.
وفي أعقاب هذا الخطاب، تم المصادقة في فاتح يوليوز 2011 على دستور المغرب 2011، الذي حمل مجموعة من المقتضيات الجديدة المتعلقة بتنظيم السلط وتعزيز استقلال السلطة القضائية. فقد نص الدستور لأول مرة بشكل صريح، على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما أقر مجموعة من الضمانات المؤسساتية التي تهدف إلى حماية استقلال القضاة وضمان حسن سير العدالة.
ومن أبرز المقتضيات التي جاء بها الدستور الجديد إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية ليحل محل المجلس الأعلى للقضاء، حيث أسندت إليه مهام الإشراف على الوضعية المهنية للقضاة، بما في ذلك التعيين والترقية والتأديب، إضافة إلى ضمان استقلال السلطة القضائية والسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة.
قد جرى تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية رسميا سنة 2017، في خطوة اعتبرت محطة أساسية في تنزيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بإصلاح منظومة العدالة.
كما شكل استقلال النيابة العامة إحدى أبرز التحولات التي عرفها النظام القضائي المغربي بعد دستور 2011. ففي السابق، كانت النيابة العامة تخضع لإشراف وزارة العدل، غير أن الإصلاحات المؤسساتية التي أطلقت في إطار تنزيل الدستور الجديد أدت إلى نقل رئاسة النيابة العامة من وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بالمغرب.
وقد دخل هذا التغيير حيز التنفيذ في أكتوبر 2017، عندما تولى محمد عبد النباوي رئاسة النيابة العامة، في إطار تفعيل المقتضيات الدستورية التي تنص على استقلال السلطة القضائية.
وخلال حفل تسليم رئاسة النيابة العامة، أكد وزير العدل آنذاك محمد أوجار، أن نقل اختصاصات الإشراف على النيابة العامة لا يعني إحداث صلاحيات جديدة، بل يتعلق أساسا بنقل الاختصاصات التي كانت تمارسها وزارة العدل إلى مؤسسة رئاسة النيابة العامة وفق الإطار القانوني الجديد.
وأوضح أن ممارسة هذه الصلاحيات ستظل خاضعة لمقتضيات القوانين المنظمة للمسطرة الجنائية والمسطرة المدنية، مشددا على أن الهدف من هذه الخطوة يتمثل في تعزيز استقلال القضاء مع الحفاظ على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
استقلال القضاء بين النظرية والتطبيقورغم هذه الإصلاحات، ما تزال تقييمات الباحثين والمتخصصين بشأن حصيلة استقلال السلطة القضائية في المغرب متباينة. فبينما يرى البعض أن الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية التي أعقبت خطاب 9 مارس أسست لإطار قانوني متقدم يعزز استقلال القضاء، يذهب آخرون إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في مستوى التنزيل العملي لهذه المقتضيات وفي مدى انعكاسها على الممارسة القضائية اليومية.
وتطرح هذه النقاشات أسئلة متجددة حول حصيلة مسار الإصلاح الدستوري الذي أطلقه خطاب 9 مارس، وحول مدى نجاحه في تحقيق الأهداف التي أعلن عنها، خاصة ما يتعلق بتعزيز استقلال السلطة القضائية وترسيخ مبدأ فصل السلط. كما يفتح مرور خمسة عشر عاما على هذا الخطاب الباب أمام تقييم أعمق لمسار الإصلاح المؤسساتي في المغرب، ومدى تأثيره في تعزيز دولة القانون وترسيخ الثقة في المؤسسات القضائية.
في هذلا الإطار، قال بلال لمراوي، الباحث في سلك الدكتوراه تخصص القانون العام، إن الفصل 107 من دستور المغرب لسنة 2011 ينص بوضوح على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وهو مقتضى دستوري يشكل حجر الزاوية في فلسفة إصلاح منظومة العدالة بالمغرب. موضحا أن إقرار هذا المبدأ لم يكن مجرد إعلان دستوري نظري، بل جاء ليؤسس لتحول مؤسساتي عميق في بنية السلطة القضائية، يقوم على ترسيخ مبدأ فصل السلطات وتعزيز ضمانات استقلال القضاء.
وأكد لمراوي في تصريح لـ “إعلام تيفي” أن الخطوة التي اتخذت سنة 2017 القاضية باستقلال النيابة العامة عن وزارة العدل تفهم باعتبارها تنزيلا عمليا لروح هذا الفصل. فقد انتقلت النيابة العامة من وضعية كانت خاضعة لإشراف السلطة التنفيذية، إلى وضعية جديدة أصبحت فيها جزءا من السلطة القضائية، لها بنيتها المؤسسية الخاصة وتشتغل في إطار استقلالي يهدف إلى تحصين عملها من أي تأثير سياسي أو إداري محتمل.
وأضاف أن هذا التحول يعكس إرادة واضحة في تعزيز البناء الديمقراطي وترسيخ المطمح الحقوقي القائم على ضمان المحاكمة العادلة وصون الحقوق والحريات. فاستقلال القضاء، بما في ذلك النيابة العامة، يعد أحد أهم مؤشرات قوة دولة القانون، لأنه يضمن تطبيق القانون بعيداً عن الضغوط والتأثيرات الخارجية.
الإصلاحات المؤسساتية بعد خطاب 9 مارسوفي حديثه عن هذا المسار الإصلاحي، أشار المتحدث ذاته إلى أنه جاء في سياق دينامية أوسع أعقبت خطاب 9 مارس 2011 للملك محمد السادس، الذي أعلن فيه عن إطلاق ورش إصلاح دستوري شامل، استجابة لتطلعات فئات واسعة من الشعب المغربي لتعزيز الديمقراطية، وتوسيع مجال الحقوق والحريات، وتقوية استقلال المؤسسات.
واعتبر الباحث أن استقلال النيابة العامة سنة 2017 خطوة مهمة في مسار ترسيخ دولة المؤسسات، غير أن نجاح هذا الورش يظل مرتبطا بمدى قدرته على تعزيز الثقة المجتمعية في العدالة وترسيخ ثقافة الاستقلال والمسؤولية داخل الممارسة القضائية.
ويرى المحلل السياسي أن الإصلاحات التي جاء بها دستور المغرب 2011 ساهمت في تعزيز استقلال السلطة القضائية بشكل واضح، خصوصا في علاقتها بالسلطة التنفيذية، من خلال اعتماد مجموعة من القوانين التنظيمية التي أعادت هيكلة منظومة العدالة، وعلى رأسها القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
وأوضح أن هذا القانون أحدث المجلس الأعلى للسلطة القضائية، المكلف بتدبير المسار المهني للقضاة بما يشمل التعيين والترقية والنقل والتأديب، إضافة إلى السهر على ضمان استقلال السلطة القضائية وإعداد تقارير دورية حول وضعية العدالة. مضيفا أن هذا التحول مثل نقلة نوعية، إذ انتقل تدبير الوضعية المهنية للقضاة من وزارة العدل إلى مؤسسة دستورية مستقلة، مما عزز المصداقية المؤسساتية للقضاء وحمى المسار المهني للقضاة من التدخلات السياسية المباشرة.
وفي حديثه عن المنظومة القضائية، بين الخبير ذاته، أنها شهدت خطوة مهمة أخرى تمثلت في فصل النيابة العامة عن وزارة العدل سنة 2017، واعتماد رئاستها على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيس رئاسة النيابة العامة، ما ساهم في تعزيز استقلال القضاء وتكريس مبدأ الفصل بين السلطات، إذ أصبحت النيابة العامة قادرة على ممارسة مهامها وفق مبادئ المهنية والحياد دون التبعية المباشرة للسلطة التنفيذية.
هذه الإصلاحات، التي انطلقت بعد خطاب 9 مارس 2011، يوضح لمراوي، أنها تشكل نقطة انطلاق لمجموعة من الإجراءات المؤسساتية والقانونية الرامية إلى تقوية استقلال السلطة القضائية وتفعيل مبدأ فصل السلطات كما نص عليه دستور 2011، وهو ما يمثل خطوة مهمة في بناء منظومة قضائية قوية وموثوقة في المغرب.
وفي حديثه عن التحديات التي تواجه استقلالية السلطة القضائية، أشار إلى أنها لا ترتبط بالضرورة بضعف النصوص القانونية، خاصة بعد المقتضيات التي جاء بها دستور 2011، ولا سيما الفصل 107، وإنما تظهر أساسا في البيئة التي تطبق فيها هذه النصوص القانونية.
وشدد الباحث على أن المجتمع المغربي ما زال في حاجة إلى ترسيخ ثقافة قانونية أوسع، إذ إن جزءا من الرأي العام لا يستوعب التحولات التي عرفها مجال العدالة خلال السنوات الأخيرة، ولا يدرك حجم الإصلاحات المؤسساتية التي تم تحقيقها، مثل إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية وتعزيز استقلالية النيابة العامة. مبرزا أن ضعف الوعي القانوني يؤثر أحيانا في تقييم أداء القضاء ومستوى الثقة المجتمعية في المؤسسة القضائية.
وأكد لمراوي أن إشكالية تدبير الزمن القضائي تمثل أحد التحديات الأساسية للمنظومة القضائية، إذ يقابل ارتفاع عدد القضايا نقص في الموارد البشرية سواء على مستوى القضاة أو الأطر الإدارية، مما يؤثر على سرعة البت في القضايا وجودة الخدمات القضائية المقدمة للمواطنين.
ضرورة مراجعة القوانين التنظيميةوفي ما يخص تزايد الطلب المجتمعي على العدالة في ظل محدودية الإمكانيات، يرى المحلل السياسي، أنه يفرض ضغطا متزايدا على المؤسسة القضائية، وقد يؤدي إلى صعوبات عملية تؤثر بشكل غير مباشر في ممارسة القضاء لاستقلاله الكامل إذا لم تتم مواكبة الإصلاحات القانونية بإصلاحات موازية على مستوى الموارد والتدبير.
وأضاف أن تعزيز استقلالية السلطة القضائية لا يقتصر على توفير الضمانات الدستورية والقانونية، بل يشمل تطوير البيئة المؤسسية والمجتمعية المحيطة بالعدالة، عبر نشر الثقافة القانونية، وتأهيل الموارد البشرية، وتحسين تدبير الزمن القضائي، لضمان قضاء مستقل وفعال وقادر على تكريس دولة الحق والقانون.
وعن الحاجة إلى تعديلات إضافية على الإطار القانوني المنظم للسلطة القضائية لتعزيز استقلالها وفعاليتها، اعتبر لمراوي أن التعديلات على القوانين التنظيمية تبقى ضرورية لمواكبة مقتضيات دستور 2011، الذي كرس مبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وجعل هذا المبدأ من ركائز بناء دولة الحق والقانون.
وأشار إلى أن القوانين التنظيمية المتعلقة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة تمثل الإطار الذي يترجم المبادئ الدستورية إلى آليات عملية، إلا أن التطبيق العملي قد يكشف عن بعض الثغرات التي تستدعي المراجعة لتعزيز استقلال القضاء وتحسين أدائه.
وختم لمراوي تصريحه لـ “إعلام تيفي” بأن التحولات المجتمعية وتزايد الطلب على العدالة يفرضان مراجعة دورية لهذه القوانين لتظل متناسقة مع روح الدستور ومتطلبات الواقع، بما يضمن تعزيز ضمانات استقلال القضاة وتحسين حكامة المؤسسات القضائية.
...
لماذا التصفح على التطبيق احسن
أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة

