فلسفة الاستثمار في بنك الوجود الإلهي - Media90

منذ ساعتين

فلسفة الاستثمار في بنك الوجود الإلهي - Media90
لا شك أن ميناء الوصول لا يشيده في الحقيقة الا عطاء العبور، كيف ذلك يا ترى؟ فليست الحياة مسرحا نمر عليه عابرين ، بل هي حقل ممتد على مساحة أعمارنا، كل حركة نخطوها فيه ما هي في حقيقة الأمر إلا بمثابة عملية بذر و إن كانت غير مرئية. في حياتنا هذه فهي مرئية ببصر من حديد في الحياة الأخرى. إن المبدأ الذي يحكم هذا الوجود من ضمن قوانين لا تعد و لا تحصى، هو قانون العود؛ فكل ما يخرج من كينونة الإنسان من فكر، أو شعور، أو مادة، يطوف في فلك الحياة ليعود إلى نقطة انطلاقه في الوقت والمكان المناسبين. إننا حين نقرأ مثلا قوله تعالى: “وما أَنفقتم من شيء فهو يخلفه” سبأ، 39 ، نجد أن الآية وضعت كلمة شَيء كقاعدة عامة تشمل كل مدركات الوجود. إن الخلف الرباني ليس عملية حسابية مادية جافة، بل هو نظام كوني يعيد صياغة ما قدمته للآخرين ليصب في آنيتك الشخصية. لذلك يردد الصوفي العارف بالله في هذا المعنى: شرابي لي مني و سري في الأواني حاشا يكون الثاني انا الشارب المشروب و يقول الآخر و هو الحسن الششتري في ديوانه: يدنو ويفهم سر المعاني مني عليا دارت كؤوسي كاس المعاني حلو المذاق من بعد موتي تراني حي رقت خمور في الاصطباح وشمسي شرقت على الملاح نمرح ونسقي لاهل الملاح ولا نحب إِلا من أصاح ومن فهم معنى الاصطباحح يبقى منعم من شرب الراح مني عليا دارت كؤوسي من بعد موتي تراني حي

إنك في الحقيقة حين تمنح الآخرين ذلك الأمان النفسي وتكون مرفأ لآلامهم، فإنك تبني دون أن تشعر شبكة خفية من السكينة ستحيط بك في أوقاتك الصعبة. لا غرو إن زكاة العلم نشره،، فالعلم يزكو الإنفاق، وكلما أنفق الإنسان من علمه ليرفع جهل غيره، وجد آفاقا جديدة من الفهم تفتح أمامه، وكأن المعرفة التي خرجت عادت إليه بصيرة أعمق. أضف الى ما سبق انك حين تقتطع من وقتك لخدمة قضية نبيلة أو مساعدة محتاج، فإن هذا الوقت لا يضيع، بل يخلفه الله لك في بركة تلمسها في إنجازاتك الشخصية وسلاسة يومك. لا تعمل الحياة كمرآة دقيقة فقط، حيث لا تكتفي بعكس صورتك فقط، بل تعكس أثرك. فالمحيط الذي نعيش فيه يتشكل وفقا لما نضخه فيه من طاقات. فمن يزرع التيسير في حياة الناس، يجد طرق حياته ممهدة باللطف الخفي، ومن يزرع العسر والضيق، يجد الجدران تحيط به من حيث لا يدري. من خلال ما سبق : إن السر الكامن في قوله تعالى “فهو يخلفه” يتجاوز لدى كل ذي لب المعنى الحسابي البسيط، ليدخل في نطاق ما يمكن أن نسميه كيمياء الوجود المعنوي تلك العملية الروحية التي تحول ذرات العطاء المحدودة إلى مجرات من النماء اللامتناهي. حين تخرج المنفعة من يدك سواء كانت فكرة تنير عقلا، أو عاطفة تجبر كسرا، أو مالا يرفع ضيقا، فإنها لا تغادر عالمك البتة، بل تمر بتفاعل رباني يعيد صياغتها لتصبح جنتك المعنوية التي تحيا فيها قبل أن تصل إليها. إن محيطك ليس في حقيقة الامر إلا بمثابة مختبر كبير؛ ما تضخه فيه من نبل يعود إليك نضوجا في روحك وتيسيرا في شأنك. فالعطاء ليس نقيضا من الموارد، بل هو الشرط الوحيد لاتساعها. وكما لا يمكن للنهر أن يظل عذبا إلا إذا استمر في الجريان والمنح، لا يمكن لروح الإنسان أن تزهر إلا إذا بذلت من مائها للآخرين. فكن على يقين أن كل بذرة حب أو علم أو وقت تغرسها في حقل محيطك اليوم، هي في الحقيقة أكسجين غدك، والنماء الذي سيحيطك حين تحتاج إلى الظل. أنت لا تعطي لتفقد، بل تعطي لتمتد، وتلك هي أسمى صور التجارة مع الغني ذي الجلال و الاكرام جل و علا.

د محمد غاني، كاتب، المغرب.

ظهرت المقالة .

]]>...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من ميدبا90 ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة