الغذاء يُهدر والمغاربة يشتكون الغلاء.. مفارقة تفضح اختلالات عميقة

منذ ساعتين

الغذاء يُهدر والمغاربة يشتكون الغلاء.. مفارقة تفضح اختلالات عميقة

حسين العياشي

سجّل ملف الهدر الغذائي بالمغرب عودة قوية إلى واجهة النقاش البرلماني، بعدما اختارت النائبة حنان أتركين مساءلة وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات حول حجم هذه الظاهرة وتداعياتها، في خطوة تعكس تنامي القلق بشأن كلفة الغذاء المهدور وانعكاساته المتشابكة على الأمن الغذائي والموارد الطبيعية.

ويأتي هذا التحرك في سياق دولي ووطني متقلب، لم يعد فيه الهدر الغذائي مجرد سلوك استهلاكي عرضي، بل تحول إلى إشكال بنيوي يمس عمق المنظومات الغذائية، ويضع الاقتصادات أمام معادلة صعبة تجمع بين تزايد الطلب على الغذاء وضغط الموارد، خاصة في ظل التغيرات المناخية وندرة المياه. وفي هذا الإطار، يصبح كل فقد في المواد الغذائية ليس فقط خسارة اقتصادية، بل استنزافاً غير مباشر لموارد طبيعية حيوية.

المعطيات التي استندت إليها النائبة ترسم صورة مقلقة عن حجم الضياع الذي يطال المواد الغذائية عبر مختلف مراحل السلسلة، من الحقول إلى موائد الاستهلاك، مروراً بالتخزين والتوزيع. وهو ما يكشف عن اختلالات مركبة لا ترتبط فقط بسلوك المستهلك، بل تمتد إلى أنماط الإنتاج والتسويق، وآليات التدبير اللوجستي، ومستوى الوعي الجماعي بأهمية ترشيد الاستهلاك، خاصة خلال فترات تعرف ذروة في الطلب مثل شهر رمضان والمناسبات الدينية.

ولا تقف تداعيات هذا الهدر عند حدود الأرقام والخسائر المالية، بل تتجاوزها إلى تهديدات أعمق تمس الأمن الغذائي الوطني، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات متزايدة مرتبطة بندرة المياه وارتفاع أسعار المواد الأساسية. فكل كمية غذاء تُهدر تعني، في العمق، استنزافاً مزدوجاً: مرة على مستوى الموارد التي استُعملت في إنتاجها، ومرة على مستوى كلفة تعويضها في سوق تعرف تقلبات مستمرة.

وفي قلب هذا النقاش، يبرز السؤال البرلماني كأداة لإعادة مساءلة السياسات العمومية المعتمدة في تدبير السلسلة الغذائية، من الإنتاج إلى الاستهلاك، وقياس مدى نجاعتها في الحد من هذه الظاهرة. إذ لم يعد مقبولاً، في نظر عدد من المتابعين، استمرار الفجوة بين وفرة العرض من جهة، واستمرار مستويات الهدر من جهة أخرى، في ظل حاجة ملحة إلى تحقيق توازن دقيق بين الإنتاج الرشيد والاستهلاك المسؤول.

كما يفتح هذا النقاش الباب أمام إعادة التفكير في النموذج الغذائي برمته، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والمناخية التي تفرض على الدول اعتماد مقاربات أكثر استدامة، تقوم على تقليص الفاقد، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد، وتعزيز ثقافة الاستهلاك الواعي، بما يضمن حماية الموارد وضمان استمرارية التزويد الغذائي.

ومن خلال مساءلتها للوزير الوصي، تسعى النائبة إلى الوقوف على طبيعة التدابير المتخذة لمواجهة هذه الظاهرة، سواء على مستوى التحسيس أو التأطير أو المراقبة، فضلاً عن تقييم درجة التنسيق بين مختلف المتدخلين في السلسلة الغذائية، من فاعلين اقتصاديين ومؤسسات عمومية ومجتمع مدني، بما يضمن مقاربة شمولية تتجاوز الحلول الظرفية.

وبين رهانات الأمن الغذائي وضغط الموارد الطبيعية، يفرض ملف الهدر الغذائي نفسه كأحد الاختبارات الحقيقية لنجاعة السياسات العمومية، في سياق لم يعد يحتمل المعالجات الجزئية، بل يتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على الاستباق، وترشيد الاستهلاك، وترسيخ ثقافة جماعية قوامها المسؤولية المشتركة في حماية الغذاء باعتباره ثروة وطنية.

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من إعلام تيفي ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة