هل تنجح البيضاء في إحياء روح السوق المركزي دون قتل تراثه بالتحديث؟

منذ ساعتين

هل تنجح البيضاء في إحياء روح السوق المركزي دون قتل تراثه بالتحديث؟

حسين العياشي

سجّل مشروع إعادة تأهيل السوق المركزي بالدار البيضاء تحوّلاً لافتاً في مقاربة تدبير التراث العمراني، حيث اختارت المدينة ترميم أحد أقدم فضاءاتها الحيوية بدل هدمه، في رهان واضح على الحفاظ على الذاكرة الجماعية دون التفريط في متطلبات التحديث.

فالسوق، الذي ظل لعقود فضاءً يومياً للتجارة والحياة، لم يعد مجرد بناية متقادمة تحتاج إلى إصلاح تقني، بل أصبح عنواناً لسؤال أعمق يتعلق بكيفية التعامل مع التراث داخل مدينة تتسارع فيها وتيرة التحول العمراني. وبين خيار الإزالة وبناء الجديد، وخيار الترميم الدقيق، حسمت السلطات اتجاهها نحو إعادة التأهيل، في محاولة للجمع بين الأصالة والوظيفة.

هذا الاختيار لم يكن شكلياً، بل ترجمته تفاصيل دقيقة في دفتر التحملات، الذي وضع معادلة واضحة: الحفاظ على العناصر المعمارية التي تشكل هوية السوق، مقابل تحديث شامل لكل ما يرتبط بالسلامة والبنية التحتية. وهكذا، يتحول المشروع إلى عملية جراحية دقيقة، تُزيل مظاهر التدهور دون أن تمس بروح المكان.

في هذا السياق، لا يُنظر إلى الزليج والرخام والأقواس كعناصر تزيينية فقط، بل كجزء من ذاكرة المكان، ما يفسر الاعتماد على الحرفيين لإعادة ترميمها بنفس الخصائص الأصلية، في مقابل إدماج تجهيزات حديثة تهم السلامة، الولوج، والشبكات التقنية التي لم تعد تستجيب للمعايير الحالية.

لكن الرهان الحقيقي يتجاوز الجانب المعماري، ليطرح سؤال النجاعة: هل يمكن لفضاء تاريخي أن يستعيد دوره الاقتصادي والاجتماعي في مدينة حديثة؟ الجواب الذي يقترحه هذا المشروع يقوم على إعادة تأهيل السوق ليصبح فضاءً يجمع بين الوظيفة التجارية والجاذبية الحضرية، بما يعزز موقعه داخل النسيج الاقتصادي للمدينة.

كما يكشف المشروع عن تحول في تصور التدخل العمومي، من منطق الهدم وإعادة البناء إلى منطق التثمين وإعادة الاستخدام، وهو توجه ينسجم مع رهانات التنمية الحضرية المستدامة، حيث تتحول الذاكرة إلى مورد بدل أن تكون عبئاً.

غير أن هذا الرهان يظل مشروطاً بقدرة الفاعلين على تحقيق توازن دقيق بين التقنية والحساسية، بين متطلبات الورش الكبرى واحترام التفاصيل الصغيرة التي تمنح المكان معناه. فالسوق المركزي ليس مجرد مشروع تأهيل، بل اختبار حقيقي لكيفية إدارة العلاقة بين المدينة وتاريخها.

وفي انتظار اكتمال الأشغال، يظل السؤال مفتوحاً: هل سينجح هذا الورش في إعادة الروح إلى السوق دون أن يفقده طابعه الشعبي؟ أم أن التحديث، مهما كان محسوباً، قد يفرض إيقاعاً جديداً يغيّر ملامح المكان؟ بين هذين الاحتمالين، تراهن الدار البيضاء على أن تحفظ ذاكرتها وهي تعيد تشكيلها.

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من إعلام تيفي ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة