حين تتحول خزينة الدولة إلى صندوق لإطفاء غضب اللوبيات

منذ ساعتين

حين تتحول خزينة الدولة إلى صندوق لإطفاء غضب اللوبيات

بقلم : خالد وجنا مرة أخرى يعود النقاش في المغرب حول الطريقة التي تُدار بها بعض الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، بعدما انتهى التوتر المرتبط بقطاع توزيع قنينات الغاز عقب وعود حكومية برفع هامش الربح المخصص للمهنيين، وهو ما أدى إلى إلغاء إضراب وطني كان مرتقبًا خلال أيام قليلة. في الظاهر قد يبدو الأمر نجاحًا في تدبير الأزمة وتفاديًا لاضطراب قد يمس تموين الأسر المغربية، غير أن القراءة الأعمق تكشف استمرار منطق مقلق يقوم على استعمال المال العام كوسيلة لشراء السلم القطاعي، بدل معالجة الاختلالات البنيوية وإرساء قواعد منافسة عادلة تخدم المواطن أولًا.

المشكل لا يتعلق بقطاع الغاز وحده، بل بنهج يتكرر كلما لوّح قطاع منظم بالإضراب أو الضغط. فبدل فتح نقاش شفاف حول الكلفة الحقيقية، وهوامش الربح، وسلاسل التوزيع، وواجبات الاستثمار، ومدى احترام المنافسة، يتم اللجوء سريعًا إلى الحل الأسهل: ضخ امتيازات جديدة أو توسيع هوامش الربح أو تقديم دعم مباشر أو غير مباشر، ثم تقديم ذلك للرأي العام باعتباره إنجازًا حكوميًا. لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: من سيدفع الثمن في النهاية؟ الجواب معروف سلفًا، إنه دافع الضرائب والمستهلك البسيط.

لقد عاش المغاربة مشهدًا مشابهًا في قطاع النقل، حين خُصصت اعتمادات مالية ضخمة تحت عنوان دعم المهنيين في مواجهة تقلبات الأسعار، بينما ظل أثر ذلك محدودًا على أسعار التنقل بالنسبة للمواطنين، واستمرت الشكاوى من غلاء التذاكر وتدهور جودة الخدمات. وهو ما جعل فئات واسعة تعتبر أن الدعم لم يكن موجهًا لحماية القدرة الشرائية بقدر ما كان وسيلة لامتصاص غضب فاعلين يملكون قدرة تنظيمية وضغطًا قويًا على القرار العمومي.

الإشكال الحقيقي في هذا النموذج أنه يكرس منطق “من يضغط أكثر ينال أكثر”. فالفئات غير المنظمة، والعاملون في الهشاشة، والعاطلون، وصغار الفلاحين، وسكان المناطق المهمشة، لا يملكون القدرة نفسها على فرض مطالبهم، ولذلك يبقون خارج دائرة الامتيازات. أما القطاعات التي تتوفر على شبكات نفوذ وتنظيمات قوية فتنجح في تحويل مطالبها الخاصة إلى أولوية وطنية مستعجلة. وهنا تضيع العدالة الاجتماعية ويتحول التدخل العمومي من أداة لتصحيح الفوارق إلى وسيلة لإعادة إنتاجها.

كما أن الاستجابة المالية السريعة لمطالب بعض اللوبيات تطرح سؤال الحكامة. هل تتوفر الدولة على دراسات دقيقة تبرر رفع هامش الربح؟ هل تم تقييم أرباح الشركات المعنية؟ هل توجد التزامات مقابلة تتعلق بتحسين الخدمات أو تجديد الأسطول أو الاستثمار أو حماية المستهلك؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه تسوية ظرفية لتفادي الاحتجاج؟ في غياب الشفافية، يصبح من حق الرأي العام أن يشكك في جدوى هذه القرارات وفي الجهات المستفيدة الحقيقية منها.

الأخطر من ذلك أن هذا الأسلوب يبعث برسالة سلبية إلى باقي الفاعلين الاقتصاديين: بدل الابتكار وتحسين الإنتاجية والتنافسية، يكفي التلويح بالشلل أو الإضراب لانتزاع مكاسب جديدة. وهذا يضرب أسس الاقتصاد السليم القائم على النجاعة وربط الربح بالمردودية، لا بالقرب من مراكز القرار أو بقدرة الضغط.

المغرب اليوم في حاجة إلى إصلاح أعمق من مجرد حلول ترقيعية. المطلوب هو الانتقال من سياسة إخماد الحرائق إلى سياسة بناء المؤسسات. المطلوب تحرير الأسواق من الاحتكار، وتقوية مجلس المنافسة، وربط أي دعم عمومي بالتزامات واضحة وقابلة للمراقبة، وضمان أن ينعكس أي تدخل مالي على الأسعار وجودة الخدمات، لا على تضخم أرباح الوسطاء فقط. كما أن الحوار الاجتماعي والقطاعي يجب أن يكون قائمًا على قواعد عادلة وشفافة، لا على منطق من يصرخ أعلى يحصل أولًا.

إن المال العام ليس غنيمة لتوزيع الامتيازات ولا صمام أمان لتسكيت اللوبيات عند كل أزمة. إنه ملك لجميع المغاربة، ويجب أن يُصرف وفق أولويات واضحة: التعليم، الصحة، التشغيل، الحماية الاجتماعية، والبنيات الأساسية. أما الاستمرار في تحويله إلى أداة لشراء الهدوء المؤقت، فلن ينتج سوى مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة واتساع الهوة بين الدولة والمجتمع.

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من نيوز بلس ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة