أشيبان: المغربي يستهلك بأسعار عالمية.. ويتقاضى أجوراً محلية
منذ ساعتين
حسين العياشي
في هذا السياق، يقدّم المحلل الاقتصادي خالد أشيبان قراءة نقدية عميقة لهذا التحول، معتبراً أن ما يعيشه المغاربة اليوم يتجاوز مجرد موجة غلاء ظرفية، ليعكس اندماجا فعليا للاقتصاد الوطني في منظومة تسعير عالمية. فأسعار عدد من المنتجات، حتى تلك التي تنتج محليا، لم تعد تحدَّد فقط وفق العرض والطلب الداخليين، بل أصبحت رهينة بمعادلات التصدير وحجم الطلب الخارجي، ما يجعل المستهلك المغربي في وضعية تنافس مباشر مع نظيره الأوروبي أو البريطاني على سلع كانت إلى وقت قريب تعد جزءاً من الأمن الغذائي المحلي.
ولا يتوقف هذا التحول عند حدود الاستهلاك، بل يمتد إلى كلفة الإنتاج ذاتها؛ فالفلاح المغربي، الذي يفترض أن يكون محمياً ضمن منظومة وطنية، يجد نفسه خاضعاً لأسعار مدخلات تُحدد في الأسواق الدولية، وعلى رأسها الأسمدة والطاقة، ما يرفع تكاليف الإنتاج ويترجم تلقائياً إلى ارتفاع في الأسعار داخل السوق المحلية. بذلك، يتحول الاقتصاد الوطني إلى حلقة ضمن سلسلة تنافسية عالمية، تضيق فيها هوامش التدخل وتتعاظم فيها الضغوط على المستهلك.
وفي قراءته لواقع المدن الكبرى، يشير المحلل الاقتصادي إلى أن سوق الكراء يعكس بدوره هذه المفارقة بشكل واضح، إذ اقتربت الأسعار من مستويات أوروبية، حيث تتراوح كلفة الشقق المتوسطة بين 4000 و5000 درهم، وقد تصل إلى 9000 و10.000 درهم في بعض الأحياء، في حين تظل الأجور بعيدة عن مواكبة هذا الارتفاع، ما يضع الطبقة المتوسطة تحت ضغط متزايد.
أما في القطاع الصناعي، فيبرز أشيبان مفارقة أكثر حدة، موضحاً أن المصنع المغربي يعمل ضمن سلاسل إنتاج عالمية، ويستورد مواده الأولية وفق الأسعار الدولية، لكنه يؤدي أجوراً محلية لا تعكس هذا الانخراط في الاقتصاد المعولم. وهنا تتجسد مفارقة صارخة: عامل يتقاضى الحد الأدنى للأجور يساهم في إنتاج سلع تُسوّق في أسواق أوروبية ذات قدرة شرائية مرتفعة، بل وقد يجد نفسه مضطراً لاقتناء نفس تلك المنتجات بأسعار لا تختلف كثيراً عما يدفعه المستهلك في الخارج.
المشهد ذاته يتكرر في القطاع الفلاحي، حيث ينتج العامل المغربي خضراً وفواكه تصدّر إلى أسواق أجنبية بأسعار تنافسية، بينما يستهلكها محلياً بأسعار لا تقل، وأحياناً تفوق، تلك المعروضة في الخارج، في ظل فجوة كبيرة في مستويات الدخل. إنها مفارقة تُعيد طرح سؤال العدالة الاقتصادية في سياق العولمة، حيث تتساوى الأسعار تقريباً، لكن الأجور تظل متفاوتة بشكل حاد.
ولا يقتصر الأمر على الإنتاج المحلي، بل يمتد أيضاً إلى السلع المستوردة التي تخضع بالكامل لتقلبات السوق الدولية، ما يجعل المستهلك المغربي في موقع المتلقي المباشر لأي ارتفاع عالمي، دون وجود آليات كافية لامتصاص هذه الصدمات أو التخفيف من حدتها.
وفي أفق التحولات المقبلة، يثير أشيبان تحذيراً لافتاً بخصوص خيار تعويم الدرهم، معتبراً أن المضي فيه بشكل كامل، في ظل هذا الاختلال القائم، قد يؤدي إلى تضاعف كلفة المعيشة بشكل أكبر، خاصة إذا لم تُواكبه إصلاحات عميقة في منظومة الأجور والحماية الاجتماعية.
وفي الختام، يخلص المحلل الاقتصادي إلى معادلة واضحة، مفادها أن استمرار هذا الوضع لم يعد قابلاً للاستدامة، مؤكداً أن الحل يمر إما عبر رفع الأجور لتواكب عولمة الأسعار، أو عبر اتخاذ إجراءات لتوطين الأسعار بما يتلاءم مع مستوى الدخل الوطني. وبين هذين الخيارين، يضع أشيبان التحدي الحقيقي في قدرة السياسات العمومية على إعادة التوازن بين منطق السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية، بما يضمن حماية القدرة الشرائية للمغاربة في سياق اقتصادي يتجه بشكل متسارع نحو العولمة.
...
لماذا التصفح على التطبيق احسن
أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة

