لماذا يفشل النمو الاقتصادي في خلق فرص شغل للمغاربة؟ تقرير دولي يكشف مكامن الخلل
منذ ساعتين
حسين العياشي
تقرير – يرسم تقريران حديثان للبنك الدولي ملامح سيناريو اقتصادي مختلف للمغرب، لا يقوم فقط على رفع نسب النمو، بل على إعادة ترتيب قواعد اللعبة داخل الاقتصاد نفسه. فبين أرقام تبدو واعدة وإصلاحات تبدو مؤجلة، يقف المغرب اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في نموذج نمو محدود الأثر على التشغيل، أو الانتقال إلى نموذج أكثر دينامية يفتح أفقاً حقيقياً لخلق الثروة وتوزيعها.
بحسب خلاصات المؤسستين الماليتين، يمتلك الاقتصاد المغربي هامشاً فعلياً لتحقيق قفزة نوعية قد ترفع الناتج الداخلي الخام بنحو 20 في المائة في أفق سنة 2035، شريطة الانخراط في إصلاحات بنيوية عميقة. هذه القفزة ليست مجرد رقم تقني، بل تعكس إمكانية إعادة تشكيل النسيج الاقتصادي عبر تعزيز المنافسة، وتحرير المبادرة الخاصة، وإدماج فئات ظلت على هامش الدورة الإنتاجية، وعلى رأسها النساء والشباب.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه التوقعات تكمن في بعدها الاجتماعي. فالنمو، كما يقدمه التقرير، لا يُقاس فقط بارتفاع الناتج، بل بقدرته على خلق فرص الشغل وتحسين الدخل. وفي هذا الإطار، يتوقع أن يتم خلق حوالي 1.7 مليون وظيفة إضافية خلال العقد المقبل، مع إمكانية بلوغ 2.5 مليون وظيفة في أفق سنة 2050، إلى جانب ارتفاع محتمل في الأجور الحقيقية بنسبة تصل إلى 15 في المائة. وهي أرقام، إن تحققت، كفيلة بإحداث تحول ملموس في بنية الطبقة المتوسطة وفي توازنات السوق الاجتماعية.
لكن خلف هذا الأفق المتفائل، يكشف التقرير عن اختلال بنيوي ظل يرافق الاقتصاد المغربي لسنوات. فرغم استثمارات عمومية ضخمة تمثل نحو 30 في المائة من الناتج الداخلي الخام، لا يزال سوق الشغل يعاني من عجز سنوي يقارب 370 ألف منصب منذ سنة 2020. هذا التناقض بين حجم الاستثمار وضعف خلق فرص العمل يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة النمو المعتمد: هل نحن أمام نمو يخلق الثروة فعلاً، أم مجرد توسع كمي لا ينعكس على التشغيل؟
الإجابة، وفق تحليل البنك الدولي، ترتبط ببنية النموذج الاقتصادي نفسه، الذي يعتمد بشكل كبير على تراكم رأس المال، مقابل ضعف في الإنتاجية. كما أن الحضور القوي للقطاع العام في عدد من المجالات الاقتصادية يحدّ من حيوية المنافسة، ويقلّص من فرص بروز فاعلين خواص قادرين على الابتكار وخلق القيمة. وفي غياب بيئة تنافسية حقيقية، يتحول الاستثمار إلى مجرد ضخ مالي دون أثر مضاعف على الاقتصاد.
في المقابل، لا يخلو المشهد من فرص واعدة. فالتقرير يسلط الضوء على قطاعات يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لتحول اقتصادي نوعي، من قبيل الطاقات الشمسية، وصناعة النسيج منخفض الكربون، وتثمين منتجات الأركان في الصناعات التجميلية، إضافة إلى تربية الأحياء البحرية. هذه المجالات لا توفر فقط إمكانيات للنمو، بل تتيح للمغرب التموضع داخل سلاسل القيمة العالمية في قطاعات المستقبل.
غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يظل رهيناً بإصلاحات ملموسة في مناخ الأعمال. فتبسيط المساطر الإدارية، ورقمنة التراخيص، وتحسين الولوج إلى العقار والطاقة النظيفة، وتعزيز منظومة المعايير، كلها عناصر يراها البنك الدولي مفاتيح أساسية لجذب استثمارات خاصة قد تصل إلى 7.4 مليارات دولار، مع إمكانية خلق أكثر من 166 ألف فرصة عمل في أفق يتراوح بين خمس وعشر سنوات.
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بأرقام أو توقعات، بل بخيار استراتيجي يهم شكل الاقتصاد المغربي في العقد المقبل. فإما أن يواصل السير بمنطق الاستثمار الكمي الذي لا يخلق فرصاً كافية، أو أن ينتقل إلى نموذج أكثر نجاعة، يقوم على الإنتاجية والمنافسة والانفتاح على المبادرة الخاصة. وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح مغرب اقتصادي جديد، قادر إما على كسر حلقة النمو دون تشغيل، أو الاستمرار داخلها لسنوات أخرى.
...
لماذا التصفح على التطبيق احسن
أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة

