حرمان خزينة الدولة من موارد ضريبية مقابل وعود اجتماعية لم تنفذ

حرمان خزينة الدولة من موارد ضريبية مقابل وعود اجتماعية لم تنفذ

بقلم: ياسين حدوي في الوقت الذي تنتظر فيه فئات واسعة من المتقاعدين والارامل انصافا طال انتظاره، يعود ملف متقاعدي الشركة المغربية للتبغ ليفرض نفسه من جديد كواحد من اكثر الملفات الاجتماعية والمالية حساسية، بعدما تحول من مجرد نزاع مرتبط بالتعويضات والمعاشات الى قضية تطرح اسئلة عميقة حول احترام الاحكام القضائية، وشفافية التدبير المالي، وحقيقة استعمال المؤونات المحاسبية التي تستفيد من امتيازات ضريبية ضخمة تحت غطاء تسوية ملفات اجتماعية لم تر النور بالشكل المعلن عنه.

فقد سبق للشركة ان رفعت بشكل استثنائي سقف “المؤونة المخصصة للمخاطر والاعباء” الى ما يقارب 1.5 مليار درهم، في خطوة تم تقديمها حينها على انها تعكس رغبة حقيقية في اغلاق ملف المعاشات والتعويضات العالقة مع المتقاعدين والارامل قبل نهاية سنة 2023. غير ان المعطيات المتداولة اليوم تكشف ان المبالغ التي تم صرفها فعليا لا تتجاوز حوالي 0.4 مليار درهم، اي اقل من ثلث الغلاف المالي المرصود، وهو ما يفتح الباب واسعا امام تساؤلات مشروعة حول مصير المبلغ المتبقي، والغاية الحقيقية من تضخيم هذه المؤونة المحاسبية.

الاشكال هنا لا يتعلق فقط بتاخير صرف مستحقات اجتماعية لفئات افنت سنوات طويلة من عمرها داخل المؤسسة، بل يتجاوز ذلك الى شبهة حرمان خزينة الدولة من موارد ضريبية مهمة، مادامت المؤونة المحاسبية تعتبر من الاليات التي يتم خصمها من الوعاء الضريبي للشركات. فحين يتم الاعلان عن مؤونة ضخمة بدعوى تسوية ملفات اجتماعية، ثم لا يتم صرف الجزء الاكبر منها في الاجال المعلن عنها، يصبح من حق الراي العام ان يتساءل: هل يتعلق الامر فعلا بتقدير مالي اخطأ اهدافه، ام باستعمال ذكي للمقتضيات المحاسبية من اجل ترحيل الارباح وتقليص العبء الضريبي؟

هذه الاسئلة تكتسب اليوم بعدا اكثر خطورة في ظل استمرار معاناة مئات المتقاعدين والارامل الذين يؤكدون انهم وجدوا انفسهم في مواجهة مساطر معقدة، وتعطيل متكرر، وتسويف اداري استنزف طاقتهم النفسية والاجتماعية. فبدل ان تتحول الوعود الى حلول ملموسة، وجد العديد منهم انفسهم عالقين بين البروتوكولات المجمدة، والوثائق الاضافية، والاجراءات التي يصفها البعض بالتعجيزية.

ومن بين اكثر النقاط اثارة للجدل، ما يعتبره المتضررون التفافا على الاحكام القضائية النهائية، حيث لجأت الشركة، بحسب تصريحات عدد من المتقاعدين، الى الطعن في مجموعة من الاحكام الصادرة لفائدتهم، رغم طابعها النهائي والتنفيذي. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام القوة التنفيذية للقضاء المغربي، وحول الرسالة السلبية التي يمكن ان يبعثها هذا السلوك لمفهوم دولة الحق والقانون.

كما يظل ملف متقاعدي معمل تطوان المغلق سنة 2010 من ابرز الجراح المفتوحة داخل هذا الملف، بعدما تم تغييب عدد كبير منهم من مسار التسويات، رغم احالتهم على التقاعد الاجباري عقب اغلاق المعمل. ويعتبر كثيرون ان ما وقع لهؤلاء يكشف عن انتقائية واضحة في تدبير الملف، بعيدا عن روح العدالة والانصاف التي يفترض ان تؤطر مثل هذه العمليات الاجتماعية الحساسة.

ان استمرار الاحتفاظ بسيولة مالية ضخمة تم اقتطاعها من الوعاء الضريبي تحت ذريعة تسوية الحقوق الاجتماعية، دون صرفها بالشكل الكامل والمعلن عنه، يضع المديرية العامة للضرائب امام مسؤولية حقيقية في مراقبة مدى جدية هذه المؤونة، والتاكد من مطابقتها للغرض الذي خصصت من اجله. فالمؤونة التي لا تصرف في اهدافها الاجتماعية المعلنة تتحول عمليا الى امتياز ضريبي غير مبرر، بما قد يرقى الى شكل من اشكال التهرب الضريبي المقنع.

وفي المقابل، يجد القضاء الاداري المغربي نفسه امام اختبار جديد يتعلق بحماية الحقوق المكتسبة واحترام الاحكام النهائية. فحين يصبح “الصلح” وسيلة للضغط على متقاعدين يتوفرون على احكام قضائية نافذة، بدل ان يكون اداة لانصافهم، فان الامر يفرغ العدالة من مضمونها الاجتماعي والانصافي.

اليوم، لم يعد هذا الملف مجرد قضية تخص فئة معينة من المتقاعدين، بل اصبح نموذجا يعكس طبيعة العلاقة بين بعض الشركات الكبرى والمسؤولية الاجتماعية والقانونية المفترضة تجاه مستخدميها السابقين. كما تحول الى قضية راي عام تستوجب تدخلا واضحا من المؤسسات الرقابية والمالية والقضائية، حماية لحقوق المتقاعدين، وصونا لهيبة القضاء، وحفاظا على حقوق خزينة الدولة.

لان السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: اين ذهبت المبالغ المعلنة؟ بل ايضا: كيف يمكن القبول باستمرار تجميد حقوق اجتماعية باسم مؤونات مالية استفادت في المقابل من امتيازات ضريبية ضخمة؟

وهل ستتحرك الجهات المعنية من اجل فتح تحقيق شفاف يعيد الثقة في المؤسسات، ام ان الملف سيظل حبيس التبريرات الادارية والوعود المؤجلة؟

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من كازا بلانكا الآن ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة