مراسلون بلا حدود وصحافيون بلا أجور

منذ ساعتين

مراسلون بلا حدود وصحافيون بلا أجور

يوم الأحد الماضي، 3 ماي، احتفى الصحافيون في مختلف بقاع العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) عقب اعتماد إعلان ويندهوك التاريخي في 3 ماي 1991، وهي التوصية التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1993. غير أن واقع الصحافة ببلادنا فرض استثناء مؤلما، بعدما تراجعت أوضاع نساء ورجال الإعلام الاجتماعية والمهنية، إلى درجة بات معها الحديث عن حرية الصحافة منفصلا عن أبسط شروط الكرامة المعيشية.

وكان من المفترض أن يشكل تخليد يوم 3 ماي مناسبة للاحتفاء بحرية التعبير والحق في النقد، وترسيخ دور الإعلام في البناء الديمقراطي والنهضة المجتمعية، إلا أن سخرية الواقع حولت هذا الموعد إلى لحظة يرثي فيها الصحافيون أوضاعهم، بين قسوة الحاضر وغموض المستقبل.

وكأن قدرنا أن نوقظ أبا الطيب المتنبي من مرقده، مرددين بيته الشهير: “عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ…”

وعلى إيقاع قصيدة “المطعم البلدي” لشاعر الحمراء محمد بن إبراهيم، يمكن القول: إذا كان في كل أرض “صحافيون بلا حدود” يُشاد بهم، فنحن عندنا “صحافيون بلا أجور” يُرثى لحالهم.

نعم، صحافيون مغاربة يشتغلون دون أجور، وسط صمت مريب ونحن على بعد أسابيع قليلة من عيد الأضحى. ذلك هو الوصف الأكثر قسوة لواقع السلطة الرابعة في زمن المفارقات، بعد سنوات عجاف أنهكت القطاع والعاملين فيه.

فغالبية الصحافيين المغاربة يعيشون اليوم وضعا اجتماعيا هشّا عنوانه الأبرز: “العمل بلا أجر”، في وقت تشهد فيه تكاليف المعيشة ارتفاعا غير مسبوق طال مختلف مناحي الحياة.

ولا تكمن المفارقة الصادمة فقط في هذا الواقع المرير، بل أيضا في الصمت الذي يحيط به؛ صمت بعض المنابر التي تقدم نفسها باعتبارها حارسة لمحراب الصحافة ووصية على الرأي العام، لكنها تغض الطرف حين يتعلق الأمر بمعاناة زملاء المهنة.

والأدهى من ذلك، أن بعض المتصدرين للمشهد الإعلامي، ممن راكموا الامتيازات والنفوذ، لا يزالون منشغلين بالإثارة الرخيصة والسجالات الهامشية، فيما يُترك الصحافي المهني لمصيره، يواجه الهشاشة والضياع في غياب أي حماية حقيقية.

ولعل السؤال الذي غاب، أو جرى تغييبُه، في النقاش العمومي، وحتى تحت قبة البرلمان أثناء مناقشة مشروع قانون التنظيم الذاتي للصحافة، هو: كيف يمكن لمنابر تدّعي المهنية والاستقلالية أن تنهض بأوضاع القطاع، وهي عاجزة عن ضمان الحد الأدنى من الكرامة للعاملين بها؟

وكيف يمكن الوثوق بخطاب إعلامي يتحدث عن الحقوق والعدالة، بينما يكرس في الواقع منطق الاستغلال والهشاشة؟

هذه الأسئلة لم تعد ترفا فكريا أو مجرد مادة للنقاش داخل الصالونات السياسية، بل أضحت ضرورة ملحة لإعادة ترتيب البيت الإعلامي من الداخل، وإعادة الاعتبار إلى مهنة ظلت دائما شريكا أساسيا في ترسيخ الديمقراطية والتنمية.

إن حرمان الصحافيين من أجورهم، دون البحث عن بدائل حقيقية ومستدامة، لا يمثل فقط إساءة لحقهم في العيش الكريم، بل يضرب في العمق مصداقية المهنة برمتها.

فكيف يمكن لصحافي مثقل بهمومه المعيشية واستقراره الأسري أن يؤدي دوره الإعلامي والرقابي والتنويري بكفاءة واستقلالية؟

هنا تحديدا يُدق ناقوس الخطر، حين تتحول الهشاشة الاجتماعية إلى مدخل للتأثير على الخط التحريري، أو إلى بيئة خصبة للتطبيع مع الفساد والممارسات غير القانونية.

واليوم، لم يعد مطلوبا من الفاعلين السياسيين الاكتفاء بمواقف التضامن، بل التحلي بالوضوح والجرأة في طرح هذا الملف. فالمؤسسات الإعلامية المستفيدة من الدعم العمومي مطالبة بتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية، كما أن الهيئات المهنية مدعوة إلى الخروج من دائرة البيانات المحتشمة، فيما تقع على عاتق السلطات الحكومية مسؤولية فرض احترام قوانين الشغل داخل القطاع.

ويبقى السؤال المؤلم والمحرج: كيف نقبل أن من ينقل هموم المجتمع، يعيش هو نفسه على هامشه؟

وفي خضم هذا الواقع، يبرز تناقض صارخ يتمثل في التهافت المحموم على إعادة تشكيل مجلس وطني للصحافة وفق توازنات تخدم مصالح ضيقة وأجندات شخصية، بدل الانشغال الحقيقي بأوضاع الصحافيين وكرامتهم المهنية والاجتماعية.

كما يزداد المشهد قتامة مع استمرار بعض المستفيدين من اقتصاد الريع الإعلامي في اقتسام الامتيازات داخل دوائر مغلقة، مقابل صمتهم المريب تجاه معاناة الصحافيين وحقهم المشروع في العيش الكريم.

إن هذا الانفصال بين قلة مستفيدة وقاعدة مهنية واسعة يعكس أزمة أخلاقية عميقة تهدد ما تبقى من ثقة في الجسم الصحافي.

ومن المؤسف أيضا أن بعض المتهافتين على النفوذ داخل الحقل الإعلامي، بدل الترافع الجاد عن كرامة نساء ورجال الصحافة، ينخرطون في معارك جانبية تسودها لغة التخوين والتجريح، بما يسيء إلى العمل المؤسساتي ويفسد الذوق العام.

وعوض مساءلة اختلالات توزيع مداخيل الإشهار والدعم العمومي، يتم توجيه النقاش نحو تصفية الحسابات الشخصية. ولعل أبلغ تعبير عن هذا الواقع ما ردده أحد الصحافيين ساخرا: “عوض صرف أجور الصحافيين، الفراقشي حاضي أوزين.”

إن هذا الأسلوب في التعاطي مع قضايا الصحافة، القائم على الهروب من جوهر الأزمة، لا يؤدي سوى إلى تمييع النقاش والتغطية على الإشكالات الحقيقية التي تخنق القطاع.

إنها صرخة من قلب يتألم، ودعوة صريحة إلى إعادة الاعتبار لمهنة تُهان بصمت يشبه صمت الجنائز والقبور.

* الأمين العام لحزب الحركة الشعبية

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من العمق المغربي ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة