ذكرى رحيل محمد عبد العزيز.. الشعارات تتآكل ومشروع الحكم الذاتي يفرض نفسه
منذ ساعتين
تمر اليوم عشر سنوات على رحيل محمد عبد العزيز، الرجل الذي ارتبط اسمه بتاريخ جبهة البوليساريو لأكثر من أربعة عقود، وهي مناسبة تستدعي التوقف عند حصيلة تجربة سياسية وعسكرية امتدت لعشرات السنين، وما آلت إليه أوضاع آلاف الصحراويين الذين وجدوا أنفسهم رهائن لصراع طال أمده دون أن يحقق الأهداف التي رفعت من أجلها الشعارات منذ تأسيس الجبهة سنة 1973.
لقد تأسست البوليساريو في سياق إقليمي ودولي معقد، وعرفت منذ بداياتها أحداثا مفصلية طبعت مسارها السياسي والعسكري. ومن أبرز تلك المحطات رحيل مؤسسها الولي مصطفى السيد سنة 1976 خلال عملية عسكرية، دُفع لها دفعا، استهدفت العاصمة الموريتانية نواكشوط، قبل أن يتولى محمد عبد العزيز قيادة الجبهة في مرحلة اتسمت بالتحولات الكبرى التي عرفتها المنطقة، ليستمر على رأسها قرابة أربعين سنة كاملة، وهي مدة كافية لتقييم النتائج بعيدا عن العواطف والانتماءات الضيقة.
وبعد كل هذه العقود، يحق لنا أن نتساءل: ماذا تحقق فعلاً؟ وهل استطاعت القيادة المتعاقبة للبوليساريو أن توفر لللاجئات بالمخيمات مستقبلا أفضل مما هو متاح اليوم داخل الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية؟ فالواقع يؤكد أن آلاف الصحراويين اختاروا العودة إلى وطنهم المغرب والانخراط في مسار التنمية والاستقرار، مستفيدين من المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والبنيات التحتية التي تشهدها مدن الصحراء المغربية.
فإذا كان اللجوء المصطنع يعني الابتعاد عن الوطن، فإن الوطن الحقيقي هو المكان الذي يوفر الأمن والاستقرار وفرص العيش الكريم والكرامة الإنسانية. ولهذا وجد العديد من الصحراويين أنفسهم داخل وطنهم الطبيعي، مندمجين في مؤسسات الدولة المغربية، مساهمين في التنمية المحلية، ومستفيدين من الحقوق والفرص التي تتيحها المواطنة الكاملة.
وفي المقابل، لا تزال معاناة اللاجئات والشيوخ والأطفال في مخيمات تندوف مستمرة منذ عقود، في ظل أوضاع إنسانية صعبة وقيود على حرية التنقل والاختيار، وهو ما يجعل من الضروري التفكير في حلول واقعية تضع الإنسان الصحراوي في صلب الاهتمام، بعيدا عن الحسابات السياسية التي لم تزد الوضع إلا تعقيدا.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تشكل أرضية جدية وواقعية وذات مصداقية لحل هذا النزاع الإقليمي، وهو ما أكدته العديد من الدول المؤثرة في المجتمع الدولي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ، التي عبرت عن دعمها لهذا التوجه باعتباره أساسا لحل دائم وواقعي للنزاع. كما أن المملكة المغربية أكدت مرارا استعدادها لتوفير كل الضمانات السياسية والقانونية والإدارية واللوجستية الكفيلة بإنجاح هذا المشروع وتمكين الساكنة المحلية من تدبير شؤونها في إطار السيادة المغربية.
كما أجدد التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق، وهو ما يفرض على مختلف الأطراف التحلي بالشجاعة السياسية الكافية للانخراط في مسار الحل بدل الاستمرار في تغذية أوهام أثبت الواقع عدم قابليتها للتحقق.
ومن هذا المنطلق، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يدعو جميع الصحراويين إلى التشبث بالسلم والسلام والحوار، والالتفاف حول مشروع الحكم الذاتي باعتباره فرصة تاريخية لإنهاء معاناة الأسر المشتتة وتحقيق المصالحة وبناء مستقبل يسوده الاستقرار والتنمية والازدهار. كما أن المرحلة الحالية تقتضي من القيادة الراهنة للبوليساريو تحرير قرارها السياسي، وتغليب مصلحة الصحراويين على أي اعتبارات أخرى، والانفتاح على الحلول الواقعية التي تحفظ الكرامة وتضمن مستقبلا أفضل للأجيال القادمة.
وبعد عشر سنوات على رحيل محمد عبد العزيز، وأكثر من خمسة عقود على اندلاع هذا النزاع، تبدو الحاجة اليوم أكبر من أي وقت مضى إلى تغليب صوت الحكمة والعقل على حساب الشعارات التي استنزفت الزمن والطاقات دون أن تحقق تطلعات الأجيال المتعاقبة. لقد أثبت الواقع أن مستقبل الصحراويين لا يمكن أن يُبنى على استمرار الانقسام والارتهان للماضي، بل على الانخراط في مشاريع التنمية والاستقرار والانفتاح على الحلول الواقعية القادرة على توفير الأمن والكرامة والازدهار للجميع. واليوم، ومع ما تعرفه الأقاليم الجنوبية من دينامية تنموية متواصلة وحضور متزايد على المستويين الوطني والدولي، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في توحيد الجهود من أجل مستقبل أفضل، قوامه السلم والسلام والتعايش، في إطار الوحدة الترابية للمملكة المغربية ومشروع الحكم الذاتي باعتباره أفقا واقعيا يطوي صفحة النزاع ويفتح أبواب الأمل أمام الأجيال القادمة.
...لماذا التصفح على التطبيق احسن
أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة

