الإرث البرامجي بين الماضي وتحديات المستقبل: قراءة في تحولات البرامج العمومية بين منطق التراكم الإداري ورهانات الفعالية العمومية

الإرث البرامجي بين الماضي وتحديات المستقبل: قراءة في تحولات البرامج العمومية بين منطق التراكم الإداري ورهانات الفعالية العمومية

بقلم : عمر خصبي* لا تتشكل البرامج العمومية في الدولة الحديثة باعتبارها مجرد أدوات تقنية لتوزيع الاعتمادات أو تنفيذ القرارات، وإنما باعتبارها التعبير الأكثر كثافة عن طبيعة العلاقة التي تقيمها الدولة مع المجتمع، وعن الكيفية التي تدير بها الزمن العمومي بين ذاكرة المؤسسات وتطلعات المستقبل. فالبرنامج العمومي، في عمقه، ليس فقط بنية مالية أو إدارية، بل هو تصور سياسي وتنظيمي يعكس فلسفة الدولة في ترتيب الأولويات، وفي ترجمة الإرادة العمومية إلى أثر ملموس داخل المجال الاقتصادي والاجتماعي.

وفي الحالة المغربية، ارتبط تشكل البرامج العمومية بمراحل تاريخية متباينة، تأثرت ببناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، ثم بمقتضيات التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، قبل أن تدخل لاحقاً في مرحلة جديدة فرضتها رهانات الإصلاح الإداري وتحديث المالية العمومية وتعزيز منطق الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن هذا المسار لم يكن خطياً أو معزولاً عن الإكراهات، بل أفرز إرثاً برمجياً مركباً، اختلطت داخله مكتسبات البناء المؤسسي بحدود الممارسة التقليدية، وتجاور فيه منطق التدبير القانوني المحافظ مع الحاجة المتزايدة إلى اعتماد أدوات أكثر مرونة وفعالية.

ومن هذا المنطلق، فإن الإرث البرامجي لا يُقرأ فقط باعتباره امتداداً زمنياً لمشاريع وسياسات متعاقبة، وإنما باعتباره تراكمًا مؤسساتياً يكشف طبيعة التحولات التي عرفها الفعل العمومي، كما يكشف في الآن ذاته عن التوتر القائم بين الماضي الذي صاغ القواعد والآليات، والحاضر الذي يعيد مساءلتها، والمستقبل الذي يفرض إعادة بنائها وفق منطق أكثر استجابة وتعقلاً.

الإشكالية

إذا كان الإرث البرامجي قد شكل، عبر مختلف المراحل، الإطار الذي من خلاله تم تنظيم تدخل الدولة وتوجيه الموارد العمومية، فإن التحولات المتسارعة التي تعرفها الإدارة الحديثة تفرض إعادة النظر في هذا الإرث، ليس فقط من زاوية النتائج المحققة، وإنما أيضاً من زاوية الأسس التي قام عليها والقدرة التي يمتلكها على مواكبة متطلبات الحاضر واستشراف المستقبل.

وعليه تثار الإشكالية المركزية التالية:

إلى أي حد استطاع الإرث البرامجي المتراكم أن يؤسس لبرامج عمومية فعالة، وكيف تفرض التحولات الراهنة إعادة بناء هذا الإرث في اتجاه نموذج تدبيري أكثر انسجاماً بين المشروعية القانونية والنجاعة العمومية؟

ويتفرع عن ذلك سؤالان أساسيان:

كيف ساهمت التجارب السابقة في تشكيل إرث برامجي اتسم بالتراكم المؤسساتي، لكنه ظل في جوانب منه محكوماً بمحدودية التشخيص وضعف الربط بين الاعتمادات والنتائج؟

وما طبيعة التحديات التي يفرضها الانتقال من الإرث الكلاسيكي إلى التدبير العمومي الحديث في ظل تزايد متطلبات الأداء والمساءلة والفعالية؟

أولاً: قراءة كرونولوجية للإرث البرامجي بين منطق التأسيس وتراكم الاختلالات

ارتبطت البرامج العمومية في المغرب، خلال المراحل الأولى من بناء الدولة الوطنية، بمنطق تأسيسي كانت الغاية منه إرساء المؤسسات العمومية وتوسيع مجالات تدخل الدولة وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الإداري والاجتماعي. وقد كان ذلك منسجماً مع طبيعة المرحلة التاريخية التي تطلبت تعبئة الموارد وتوجيهها نحو بناء المرافق الأساسية وتثبيت الهياكل التنظيمية للدولة.

غير أن هذا المسار، رغم أهميته في التأسيس، كان في جزء منه محكوماً بمنطق يغلب عليه التركيز على تعبئة الوسائل أكثر من بناء النتائج، وعلى تخصيص الاعتمادات المالية أكثر من قياس آثارها الفعلية. فغالباً ما كانت البرامج العمومية تُبنى داخل منطق إداري يضع الأولوية لسلامة التنفيذ واحترام القواعد الشكلية، دون أن يمنح المسألة التشخيصية ما يكفي من العمق، وهو ما جعل بعض البرامج تنطلق من تقديرات عامة أكثر من انطلاقها من تحليل موضوعي دقيق للحاجيات.

ومع توالي التجارب، بدأ هذا الإرث ينتج آثاراً مركبة؛ فمن جهة ساهم في خلق تقاليد مؤسساتية حافظت على استمرارية الفعل العمومي، ومن جهة ثانية راكم اختلالات مرتبطة بضعف الدراسات القبلية، وتشتت الأولويات، وصعوبة الربط بين الموارد المرصودة والنتائج المتوقعة. وهكذا أصبح البرنامج العمومي، في بعض الحالات، أقرب إلى أداة لتدبير الإنفاق العمومي منه إلى أداة لصناعة الأثر العمومي.

ومع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب، وما رافقها من ارتفاع في الطلب العمومي وتزايد تعقيد الملفات التنموية، برزت الحاجة إلى تجاوز منطق البرامج بوصفها امتداداً إدارياً تقليدياً، نحو اعتبارها فضاءً استراتيجياً لإنتاج القيمة العمومية وربط القرار المالي بالأثر الميداني.

ثانياً: تحديات التدبير بين العقل القانوني والعقل التدبيري وبين الإرث الكلاسيكي ومتطلبات الحداثة

تكشف التجربة الإدارية المعاصرة أن من أبرز الإشكالات التي تواجه البرامج العمومية استمرار التوتر بين منطقين متداخلين: منطق قانوني تأسس تاريخياً لضبط الإدارة وضمان المشروعية، ومنطق تدبيري حديث يسعى إلى تحقيق النجاعة وتحويل الموارد إلى نتائج قابلة للقياس.

فالعقل القانوني كان ولا يزال يشكل ضمانة أساسية لاستقرار الإدارة، من خلال تأطير الاختصاصات، وضبط المساطر، وترتيب المسؤوليات، وصيانة مبدأ المشروعية. غير أن التحولات التي عرفها الفعل العمومي أظهرت أن المشروعية وحدها، رغم ضرورتها، لا تكفي لتحقيق الأثر المطلوب، لأن الإدارة لم تعد مطالبة فقط بأن تشتغل وفق النص، بل بأن تنتج أثراً فعلياً داخل المجتمع.

ومن هنا برز العقل التدبيري باعتباره امتداداً جديداً لوظيفة الدولة، لا يلغي القاعدة القانونية، بل يعيد توظيفها داخل أفق أكثر فعالية، قائم على التخطيط الاستراتيجي، واستباق الحاجيات، والقيادة بالمؤشرات، والتقييم المستمر للأداء، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي هذا المستوى يتجلى البعد الفلسفي للإشكال؛ إذ لم يعد النقاش يدور فقط حول مشروعية التدخل العمومي، بل حول معناه وجدواه ومردوديته. فالدولة الحديثة لم تعد تُقاس بقدرتها على إصدار القرارات فقط، وإنما بقدرتها على تحويل القرار إلى أثر، وعلى جعل الزمن الإداري منسجماً مع الزمن الاجتماعي، وعلى ضمان التوازن بين الاستقرار المؤسساتي من جهة، والقدرة على التجديد من جهة ثانية.

ومن ثم يصبح الإرث الكلاسيكي، بما راكمه من قواعد وضوابط، محتاجاً إلى إعادة تأويل داخل تصور حداثي يجعل من البرنامج العمومي فضاءً للمرونة، والتنسيق، والتقييم، والتصحيح المستمر، ويجعل من الاعتماد المالي وسيلة لخدمة النتائج لا غاية مستقلة عنها.

يتبين أن الإرث البرامجي في المغرب لم يكن مجرد ذاكرة إدارية جامدة، بل شكل مساراً تراكمياً ساهم في بناء الفعل العمومي وصياغة تدخل الدولة عبر مراحل متعددة. غير أن التحولات الراهنة أظهرت أن هذا الإرث، على أهميته، لم يعد قادراً وحده على الاستجابة لتعقيدات الحاضر وتحديات المستقبل ما لم يخضع لإعادة قراءة نقدية وتطوير مؤسساتي مستمر.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالقطيعة مع الماضي، لأن كل إصلاح يبنى على ما سبقه، وإنما يتعلق بإعادة بناء هذا الإرث داخل تصور جديد يوفق بين المشروعية والفعالية، وبين استقرار المؤسسة وقدرتها على التجدد، وبين الذاكرة الإدارية ومتطلبات الدولة الحديثة.

فالمستقبل، في النهاية، لا يُصنع بإلغاء الماضي، بل بتحويله من مجرد تراكم إداري إلى خبرة مؤسساتية واعية، قادرة على إنتاج برامج عمومية أكثر دقة ومرونة وفعالية، وأكثر قدرة على جعل الفعل العمومي أداةً حقيقية لتحقيق التنمية وتعزيز الثقة في الدولة ومؤسساتها.

* عمر خصبي حاصل على شهادة ماستر متخصص في تدبير الموارد البشرية والمالية للإدارة بجامعة محمد الخامس بالرباط بكلية العلوم القانونية والاقتصادية و الاجتماعية بسلا وباحث في تدبير الاداري والمالي والسياسات العمومية

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من كازا بلانكا الآن ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة