ما وراء الحلول التقليدية.. خبراء يُقدمون قراءة إستراتيجية لتأمين مستقبل القارة السمراء (صور)

منذ ساعتين

ما وراء الحلول التقليدية.. خبراء يُقدمون قراءة إستراتيجية لتأمين مستقبل القارة السمراء (صور)

تواصلت، اليوم الجمعة 12 يونيو 2026، النقاشات العلمية والفكرية في المؤتمر الدولي للسلام والأمن “أبساكو 2026” بفتح ملفات شائكة ترتبط بصناعة القرار الإستراتيجي وصياغة المقاربات الأمنية الكفيلة بحماية مستقبل القارة الإفريقية، حيث قدم الخبراء المشاركون قراءة إستراتيجية معمقة تهدف إلى استشراف آفاق الاستقرار والأمن في القارة بحلول عام 2036.

وفي دورته العاشرة التي يُشرف عليها “مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد”، تجاوز المؤتمرون والخبراء البارزون في طروحاتهم الأطر والحلول التقليدية الجاهزة التي أثبت الواقع الميداني عدم كفايتها، مشددين على ضرورة صياغة مقاربات مرنة وتكاملية ترتكز على الفهم الدقيق للتحولات الجيوسياسية المعاصرة، وبناء منظومات دفاعية وحوكمية وطنية مستدامة تنبع من الخصوصيات المحلية لكل دولة لمواجهة جيل المخاطر المركبة والتهديدات العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، أكدت نائبة مدير مركز ستيمسون لانا بليك أن الأمن اليوم بات يتعلق بالقدرة على الاستشراف والتنبؤ بقدر ما يتعلق برد الفعل، لا سيما في سياق أصبحت فيه حالة عدم الاستقرار عابرة للحدود بشكل متزايد، مما يفرض على الدول الاعتماد على إستراتيجية “الاستقرار الممنهج” التي تدمج بين القوة العسكرية والشراكات الخارجية في وقت يستمر فيه انعدام الأمن في التأثير على سبل عيش قارة يبلغ تعداد سكانها مليار وخمسمائة وثمانين مليون نسمة.

على صعيد متصل، أشارت المتحدثة أن الصراعات العالمية تُلقي بظلالها وتفرز تداعيات عابرة للحدود، إذ يُتوقع أن يؤدي الصراع الإيراني إلى دفع معدلات التضخم وزيادة الضغوط الاقتصادية على مستوى العالم، غير أن هذا الوضع يتيح في الوقت نفسه فرصا واعدة في قطاع الطاقة والقطاعات الإستراتيجية، لا سيما في مجالي إنتاج الغاز والفوسفاط، غير أن البُعد المالي للشبكات التابعة للجماعات المسلحة يظل زاوية غائبة وغالبا ما يتم غض الطرف عنها في هذه المعادلات، فبدون تجفيف منابع التمويل وتدفقات الموارد، ستظل الإستراتيجيات الأمنية قاصرة وغير مكتملة، بغض النظر عن حجم التقدم التكنولوجي المُحرز في الميدان.

وتحدى كبير الباحثين في “حوارات إفريقيا وآسيا” ومدير وشريك مساهم في صحيفة “ميل آند غارديان” الدكتور ثيمبيسا فاكوده المقاربات التعميمية السائدة بشأن الأمن في المنطقة، محذرا من التعامل مع إفريقيا كفضاء أمني واحد ومتجانس، فالقارة تتكون من أربع وخمسين دولة ذات أنظمة سياسية وتواريخ وواقع أمني متباين مما يتطلب مقاربات مراعية للسياق الخاص بكل دولة، موضحا أن فاعلية الاستجابات القارية الواسعة تظل محدودة عندما تعتمد على نهج “مقاس واحد يناسب الجميع” بينما تظل التحديات الجوهرية متجذرة في مدى قوة وصمود الدول الإفريقية كلاً على حدة أمام مصالح الفاعلين الخارجيين المتنافسة جيوسياسيا.

وفي السياق ذاته، ساند الباحث الأول في “مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد” عبد الحق باسو فكرة حدود المقاربات الموحدة، معتبرا أن الحديث عن معايير أو قواعد موحدة يعادل وضع أربع وخمسين دولة ذات واقع مختلف على المسار نفسه في حين أن التهديدات والقدرات الاقتصادية والأمنية تتباين بشكل كبير من بلد إلى آخر، ودعا باسو إلى ضرورة تعزيز التعاون الأمني البيني وتبادل الممارسات الفضلى وتقاسم الخبرات بناء على منطق التضامن القاري الذي ينظر فيه إلى إفريقيا كـ “منفعة عامة مشتركة” تدعم فيها الدول الكبرى جاراتها التي تواجه حالات من عدم الاستقرار، منتقدا تركيز الاستجابات الحالية في منطقة الساحل على معالجة النتائج وإغفال التحديات الهيكلية مثل الفجوة بين النمو الديمغرافي والقدرات الاقتصادية.

ربط الأمين العام المساعد السابق للأمم المتحدة المكلف بسياسات البيئة والتنمية إبراهيم ثياو بين التحديات الأمنية وملف الموارد الطبيعية، مبرزا أن نحو خمسة وسبعين في المئة من النزاعات في إفريقيا ترتبط ارتباطا وثيقا بالموارد من خلال محركين رئيسين هما ندرة الأراضي والمياه من جهة، ووفرة الثروات التي تجذب التنافس والتدخلات الخارجية والاستغلال غير المشروع من جهة أخرى، مشيرا إلى أن عجز الأرض عن الإنتاج وشح المياه يجبر الساكنة على الفرار أو البحث عن بدائل مما يظهر أن القضايا الأمنية لا تتعلق بالضرورة بالقوة العسكرية بل بالأسباب الجوهرية والبيئية التي غالبا ما يتم تجاهلها في مسارات السلام، مما يستوجب صياغة حلول قارية جماعية تفاوضية.

ومن زاوية الحكامة وبناء الدولة، أكد عبدي سعيد موسى علي، وزير الشؤون الخارجية الأسبق في حكومة الصومال، على أن التحدي الأساسي لإفريقيا يكمن في تنظيم الدولة والمؤسسات وليس في طبيعة التهديدات الأمنية ذاتها، إذ تولد حركات التمرد والتطرف العنيف والإرهاب كأعراض لضعف القيادة السياسية والقدرات المؤسساتية، وأوضح عمر أن المشكلة المركزية للعقد القادم هي كيفية تنظيم الدول لنظامها السياسي وممارسة سيادة فعلية وناجعة داخل حدودها القانونية، فالقدرة الإنتاجية وتحصيل الإيرادات وكفاءة الدولة تعد الركائز الأساسية لمعالجة التحديات الوطنية وقطع الطريق على الأطراف الخارجية التي تستغل الانقسامات الداخلية.

وتلعب الأطراف الفاعلة الخارجية في هذا المشهد المتشابك أدوارا متباينة ومؤثرة في صياغة الديناميكيات المحلية، بدءا من التدخل الغربي والروسي الذي يتخذ طابعا عسكريا وأمنيا مباشرا في بؤر التوتر، وصولا إلى الانخراط التركي والحضور الصيني المتنامي عبر قنوات الدبلوماسية الاقتصادية، حيث تركز بكين على ضخ استثمارات ضخمة في قطاعات الموارد الطبيعية الحيوية وتنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى، فضلا عن تسجيل زيادة ملحوظة في مبيعات الأسلحة والمعدات اللوجستية للدول الإفريقية مما يعزز نفوذ القوى الآسيوية في رسم ملامح المستقبل الإقليمي.

وتلقي الصراعات العالمية بظلالها وتفرز تداعيات عابرة للقارات تتأثر بها البنية الاقتصادية الإفريقية بشكل مباشر، إذ يتوقع الخبراء أن يؤدي الصراع الإيراني وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط إلى دفع معدلات التضخم وزيادة الضغوط الاقتصادية على مستوى العالم بسبب اضطراب سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، وتفتح هذه الأزمات الدولية في الوقت نفسه بابا لفرص واعدة أمام القارة الإفريقية في قطاع الطاقة والقطاعات الإستراتيجية، لا سيما من خلال تعزيز إنتاج الغاز والفوسفاط وتطوير البدائل الاستثمارية لتلبية الطلب العالمي المتزايد على الموارد الحيوية.

وأجمع المتدخلون على أن الإجراءات العسكرية والتقنية تظل عاجزة عن تحقيق الاستقرار المستدام دون معالجة البعد المالي للشبكات التابعة للجماعات المسلحة، وهي الزاوية التي تصنف كحلقة غائبة غالبا ما يتم غض الطرف عنها في الإستراتيجيات الدولية والمنظومات الدفاعية الحالية، فالتقدم التكنولوجي المحرز في مراقبة الحدود واستخدام الأنظمة غير المأهولة لن يثمر عن نتائج حاسمة دون تجفيف منابع التمويل وتفكيك شبكات الجريمة العابرة للحدود التي تغذي ميزانيات التنظيمات المتطرفة وتمنحها القدرة على البقاء والمناورة.

ووأكد الخبراء أنه يستوجب تمكين الدولة الإفريقية كشرط مسبق لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل صياغة رؤية تكاملية تربط الأمن بالتنمية الاقتصادية والحكامة الديمقراطية والمؤسسات القوية، فالرهان الحقيقي لا يكمن في جلب الحلول الجاهزة أو الاعتماد على الدعم الخارجي بل في بناء نموذج وطني متماسك يملك القدرة على تحديد قواعده الخاصة والتفاوض بشكل جماعي، وهو ما يضع الاتحاد الإفريقي والمنظمات الإقليمية أمام مسؤولية تاريخية لإعادة النظر في آلياتها وتكييفها مع الجيل الجديد من المخاطر المركبة التي تمزج بين شح الموارد والحروب السيبرانية والاختراقات الأمنية.

وأفرزت النقاشات رؤية موحدة حول أن القارة الإفريقية تسير نحو أفق يتطلب ثورة في المفاهيم البيداغوجية والعملياتية للأمن تتماشى مع الطموحات الإستراتيجية لعام 2036، حيث يفرض واقع الحال على مراكز الأبحاث وصناع القرار تجاوز التفسيرات التقليدية للنزاعات والتركيز على العوامل الهيكلية والاجتماعية، إذ تبقى التوصية الأساسية الصادرة عن الخبراء متمثلة في ضرورة استعادة الدول لزمام المبادرة عبر الابتكار المحلي وتطوير آليات التدخل وصياغة عقيدة عسكرية وطنية تنبع من خصوصية الميدان وتستجيب لتطلعات الشعوب في التنمية والاستقرار وحفظ السيادة.

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من برلمان ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة