✅ المخدرات الصلبة في طنجة.. حين يتحول الشباب إلى فرائس لوحش بلا ملامح | طنجة24
منذ ساعتين
تتبدل ملامح شاب في أشهر قليلة. جسد ينحل، نظرات شاردة، نوم مضطرب، واندفاع مفاجئ نحو العنف أو العزلة.
وبينما تحاول الأسرة فهم ما يجري، لا تحتاج المخدرات الصلبة إلى اسم علمي كي تثير الرعب. يكفي أن تتردد كلمة “البوفا” ليدرك الآباء أن الخطر اقترب من البيت.
ويتحدث فاعلون مدنيون وأسر عن حضور متزايد لمواد شديدة الأثر، خصوصا “البوفا” والكوكايين والمؤثرات العقلية، في محيطات حضرية لم تعد بعيدة عن الحياة اليومية للسكان.
وتعود في شهادات متفرقة صور متشابهة: شاب يغيب طويلا، يطلب المال بإلحاح، يبيع أغراضا صغيرة، ينقطع عن الدراسة أو العمل، ثم يدخل في توتر دائم مع أسرته ومحيطه.
وتتكرر الإشارة، في شهادات سكان، إلى فضاءات عادية يتغير استعمالها في ساعات متأخرة. مواقف سيارات تتحول إلى نقاط انتظار قصيرة، ومحيط محلات صغيرة يعرف حركة متقطعة، وأزقة جانبية تستقطب تجمعات لا يطمئن إليها السكان.
ويربط بعض هؤلاء بين هذه الحركة وبين حضور الترويج الصغير للمخدرات الصلبة، خصوصا حين تتكرر الوجوه نفسها، وتتكثف اللقاءات الخاطفة، وتظهر علامات الاستهلاك على شباب في محيط قريب.
ولا يتعلق الأمر بصورة “شبكة” ظاهرة، بل بحركة مبعثرة يصعب التقاطها إلا من خلال تكرارها اليومي وأثرها على إحساس السكان بالأمان.
مواد أسرع أثرا
وعرفت طنجة، مثل مدن مغربية أخرى، حضورا قديما للقنب ومشتقاته، غير أن التحول الأشد قسوة يرتبط اليوم بالمخدرات الصلبة. فالمواد المتداولة تحت أسماء مثل “البوفا” ترتبط، وفق المعطيات التقنية المتاحة، بخلائط غير مستقرة ذات صلة بمشتقات الكوكايين ومواد كيميائية أخرى.
وتصف دراسة للمرصد الوطني للإجرام التابع لوزارة العدل “البوفا” باعتبارها مادة غير متجانسة، يختلف تركيبها بحسب المواد المستعملة في إعدادها. وهذا ما يجعل أثرها الصحي والنفسي أكثر شدة وغموضا، خصوصا عندما يتم استهلاكها عبر الحرق أو التدخين.
وتربط شهادات أسرية بين استهلاك هذه المواد وتغيرات حادة في السلوك، من اضطراب النوم وفقدان الشهية إلى التوتر والاندفاع والعزلة.
وفي حالات أخرى، تظهر آثارها في شكل انقطاع مفاجئ عن الدراسة أو العمل، أو دخول متكرر في صدام مع الأسرة.
على المستوى الوطني، تكشف حصيلة الأمن الوطني لسنة 2025 حجم الضغط المرتبط بالمخدرات، بعدما عالجت المصالح الأمنية 106.117 قضية، أفضت إلى توقيف 134.126 شخصا، مع حجز كميات من القنب والكوكايين والهيروين والمؤثرات العقلية.
وتظهر “البوفا” ضمن هذا المسار كإحدى المواد التي استدعت رصدا خاصا. فقد سجلت بشأنها، وفق دراسة المرصد الوطني للإجرام، 878 قضية بين 2022 و2024 على الصعيد الوطني، أفضت إلى توقيف 1044 شخصا، مع حجز أكثر من 18 كيلوغراما.
وانتقلت الكميات المحجوزة من 493 غراما سنة 2022 إلى 8014 غراما سنة 2023، ثم إلى 9697 غراما سنة 2024.
وتضع هذه المعطيات طنجة داخل سياق أوسع، بحكم موقعها كمدينة ميناء وعبور وتجارة وهجرة، وبحكم اتساع مجالها الحضري وتنوع أحيائها. ولا يقتصر الضغط هنا على مسارات العبور، بل يمتد إلى سوق محلية صغيرة تتحرك داخل هوامش المدينة اليومية.
فضاءات يومية تحت الضغط
في عدد من الأحياء، كما تصف شهادات كثيرة، لا يظهر الترويج الصغير في صورة واجهة واضحة. تكفي نقطة انتظار، أو زقاق جانبي، أو محيط محل تجاري، أو اتصال عابر بين وسيط ومستهلك.
وتمنح هذه الحركة المتقطعة للظاهرة قدرة على التسلل داخل الفضاء الحضري دون أن تترك دائما أثرا مرئيا.
وتزداد صعوبة الرصد حين يصبح المستهلك نفسه جزءا من السلسلة. فبعض الحالات، تحت ضغط الحاجة إلى الجرعة، تنتقل إلى السرقة الصغيرة، أو الوساطة، أو استدراج مستهلكين آخرين. وهنا لا تبقى الأزمة محصورة في صحة الشاب، بل تمتد إلى أمن الأسرة والحي والفضاء العام.
وتبدو الفئة الشابة الأكثر عرضة لهذا المسار. فشهادات أسرية وجمعوية تربط بين بعض الحالات وبين الانقطاع الدراسي، والعمل الهش، والبطالة، وضغط السكن، وضعف فضاءات الاحتواء. تبدأ التجربة أحيانا من الرفقة أو الفضول، ثم تتحول إلى حاجة يومية يصعب معها التحكم في السلوك.
داخل البيوت، تأخذ الأزمة شكلا أكثر قسوة. فالأم أو الأب لا يواجهان رقما في تقرير، بل ابنا تتغير ملامحه أمامهما. ينام في أوقات غير منتظمة، يغيب لساعات طويلة، يطلب المال، يرفض الحوار، ثم يعود منهكا أو مندفعا. وبين الخوف من الفضيحة ومحاولة الإنقاذ، تضيع أسابيع أو أشهر قبل طرق باب العلاج.
مركزان لمدينة تتوسع
وتتوفر طنجة على بنيات محدودة في طب الإدمان، من بينها مركز حي الجديد، الذي دشن سنة 2018 بوصفه المركز الثاني من نوعه بالمدينة.
وشيد هذا المركز على مساحة 1000 متر مربع، ويضم قطبا طبيا وآخر اجتماعيا، إلى جانب وحدة للتدخل المتنقل، وفق معطيات مؤسسة محمد الخامس للتضامن.
ويأتي هذا العرض داخل مدينة بلغ عدد سكان جماعتها 1.275.428 نسمة في إحصاء 2024. وفي غياب رقم محلي منشور حول عدد ضحايا الإدمان داخل طنجة، يسمح إسقاط احترازي لمؤشرات انتشار اضطرابات استعمال المواد نفسية التأثير بتقدير الحاجة المحتملة بما بين 11 ألفا و13 ألف حالة تحتاج، بدرجات متفاوتة، إلى علاج أو مواكبة نفسية أو تقليص مخاطر.
ولا يصل كل هؤلاء إلى المراكز. كما لا ترتبط كل الحالات بالمخدرات الصلبة. غير أن هذا التقدير يبرز الفارق بين حجم الحاجة المحتملة ووسائل التكفل المتاحة داخل مدينة يتسع مجالها الحضري بسرعة، ويزداد فيها الضغط على الخدمات الصحية والاجتماعية.
وتظهر هذه الفجوة أكثر مع مواد مثل “البوفا” والكوكايين والمؤثرات العقلية، حيث يحتاج التكفل إلى تدخل طبي ونفسي واجتماعي متواصل. ومع كل تأخر في المواكبة، تتعقد الحالة أكثر، سواء داخل البيت أو في الشارع أو في علاقة المستهلك بمحيطه القريب.
وتتعامل مراكز علاج الإدمان مع حالات تصل غالبا بعد مسار طويل من الإنكار والخوف والتدهور. وقد تمر بعض الحالات من الشارع أو المستشفى أو المصالح الأمنية قبل أن تصل إلى العلاج.
كما تجد أسر كثيرة صعوبة في معرفة المسار المناسب، أو في تحمل كلفة الانتظار النفسي والاجتماعي قبل بداية التكفل.
بين الأمن والعلاج
وتتحرك المصالح الأمنية ضد الترويج والحيازة والشبكات، بينما تواجه مراكز العلاج الوجه الآخر للظاهرة: شباب في وضع صحي ونفسي هش، وأسر تبحث عن مخرج بعد أشهر من الإنهاك. وبين المسارين، يتسع طلب اجتماعي على الوقاية، والإنصات، والمواكبة القريبة.
وتحتاج طنجة، وفق فاعلين جمعويين، إلى معطيات أكثر انتظاما حول الإدمان، وحجم الطلب على العلاج، وطبيعة المواد الأكثر انتشارا، ونقط الضغط داخل المجال الحضري. فالأرقام الوطنية تكشف اتساع الظاهرة، لكنها لا تكفي وحدها لرسم خريطة محلية دقيقة.
في انتظار ذلك، يستمر المشهد في صور يومية متفرقة: شاب يفقد ملامحه، أسرة تتأخر في فهم ما يجري، فضاء عادي يفقد هدوءه بعد حلول الليل، ومركز علاج يحاول استقبال ما يصل إليه من حالات.
وحين يتحول الشباب إلى فرائس، لا يظهر الوحش بوجه واحد. يظهر في جرعة، وفي وسيط صغير، وفي صمت عائلي، وفي خوف سكان من فضاءات قريبة، وفي علاج لا يصل دائما بالسرعة التي تحتاجها الحالات. وبين هذه الحلقات، يتحدد حجم المعركة التي تخوضها طنجة مع المخدرات الصلبة.
...لماذا التصفح على التطبيق احسن
أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة

