مع اقتراب انتخابات مناديب الأجراء... لماذا ينبغي التمييز بين الأجير والمتقاعد؟

منذ 3 ساعات

مع اقتراب انتخابات مناديب الأجراء... لماذا ينبغي التمييز بين الأجير والمتقاعد؟

بقلم: ذ. المعاشي محمد*

قراءة قانونية ومؤسساتية- توصلت بهذا السؤال في مناسبات عديدة، من طرف عدد من المهتمين والمتتبعين، لكنني كنت مترددا في فتح هذا النقاش، تفاديا لأي تأويل أو خلط قد يبعد الموضوع عن طبيعته القانونية والتنظيمية.

غير أن تكرار الأسئلة، والتي تصب كلها في الاتجاه نفسه، دفعني اليوم، ومع اقتراب انتخابات مناديب الأجراء، إلى تقاسم بعض الملاحظات باعتباري باحثا وخبيرا في مجال تشريع الشغل والعلاقات المهنية، خاصة وأن العديد من المهتمين بالشأن الاجتماعي والإعلامي يتابعون هذا النوع من القضايا.

بداية، ينبغي التأكيد على أن الأجير والمتقاعد يوجدان في وضعيتين قانونيتين مختلفتين، فصفة الأجير تنتهي بانتهاء العلاقة الشغلية، ويترتب عن ذلك انتهاء الحقوق المرتبطة بهذه الصفة، ومنها المشاركة في انتخاب مناديب الأجراء أو الترشح لهذه المهمة.

كما أن صفة مندوب الأجراء لا تُكتسب إلا عن طريق الانتخاب، وتمارس داخل المقاولة لفائدة الأجراء النشطين، وفي حدود الاختصاصات التي خولها له مشرع المدونة. وبالتالي، فإن تمثيل المتقاعدين أو الترافع بشأن قضاياهم لا يدخل ضمن المهام القانونية لمندوبي الأجراء.

ولا يعني هذا إطلاقا وجود تعارض بين الأجراء والمتقاعدين، فالعلاقة بينهما قائمة على التضامن والتكامل واستمرارية نقل الخبرات، لكن التضامن لا ينبغي أن يؤدي إلى خلط الصفات والاختصاصات.

ثم إن المتقاعدين أنفسهم، من خلال أطرهم وآلياتهم التنظيمية الخاصة التي تضم المتقاعدين دون غيرهم، هم الأقدر على تشخيص مشاكلهم الحقيقية، وعلى الإحاطة بأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وما يواجهونه من تحديات مرتبطة بهزالة المعاشات، وتراجع القدرة الشرائية، والإكراهات الصحية والاجتماعية التي قد تعترض جزءا منهم، فمن الطبيعي أن يكون صوتهم أكثر التصاقا بواقعهم، وأن تكون مطالبهم أكثر تعبيرا عن انتظاراتهم.

وفي هذا السياق، يلاحظ أن إحدى المؤسسات الوطنية الرائدة، والتي سبق أن اعتبرناها الأولى من نوعها على الصعيد الوطني في هذا المجال، اختارت مقاربة مختلفة تقوم على عدم قطع الصلة مع متقاعديها، وذلك من خلال إحداث آليات إدارية وتنظيمية خاصة تحت مسمى Senior Academy، بهدف تثمين الرصيد المعرفي والخبرات المتراكمة لهؤلاء المتقاعدين، وفتح فضاءات للتواصل والتفكير المشترك ونقل التجارب بين الأجيال.

كما حرصت هذه المؤسسة على إرساء رمزية مؤسساتية مهمة، تتمثل في منح بطاقة خاصة بالمتقاعد، بما يعكس إرادة الحفاظ على أواصر الانتماء والاعتراف بما قدمه هؤلاء المستخدمين والأطر من عطاء وتضحيات، دون أن يعني ذلك الخلط بين وضعية الأجير ووضعية المتقاعد، أو بين المؤسسات التمثيلية الخاصة بكل فئة.

ومن هنا، فإن الحفاظ على التمييز بين وضعية الأجير ووضعية المتقاعد، وبين اختصاصات مندوبي الأجراء وآليات تمثيل المتقاعدين، لا يراد منه إقامة حواجز بين الطرفين، بل يهدف إلى ترسيخ الوضوح المؤسساتي واحترام الأدوار التي حددها القانون لكل فئة، بما يخدم الأمن الاجتماعي ويضمن نجاعة التمثيلية.

فالحقوق لا تُصان بخلط الأوراق، وإنما بتحديد المسؤوليات، واحترام الاختصاصات، وتمكين كل فئة من الآليات المناسبة للدفاع عن مصالحها المشروعة.

ويبقى المتقاعد، بما راكمه من خبرة وتجربة وعطاء، رأسمالا بشريا ومعرفيا لا ينبغي التفريط فيه، غير أن تثمين هذا الرصيد شيء، وإسناد اختصاصات تمثيلية لا يخولها القانون شيء آخر.

إن التضامن بين الأجيال قيمة نبيلة، غير أن لكل مرحلة من مراحل الحياة المهنية وضعيتها القانونية، ولكل فئة آلياتها التمثيلية، ولكل صوت مشروعيته ومجاله، فاستمرارية العلاقة الإنسانية والمؤسساتية مع المتقاعد شيء، وتمثيله قانونيا شيء آخر. ومن هذا المنطلق، فإن أكبر تكريم للمتقاعد لا يكمن في إلحاقه قسرا بمؤسسات تمثيل الأجراء، أو تحميل مندوبي الأجراء مسؤوليات لا تدخل ضمن اختصاصاتهم القانونية، بل في الاعتراف بما راكمه من خبرة وتجربة، والعمل على تثمين هذا الرصيد المعرفي والإنساني، وإحداث آليات خاصة تضمن استمرار مساهمته في خدمة المؤسسة والمجتمع. وفي هذا الإطار، بدأت بعض المؤسسات الوطنية الرائدة في التفكير في مقاربات جديدة للحفاظ على الصلة بمتقاعديها، ليس فقط من خلال فضاءات لتبادل الخبرات وتقاسم التجارب، وإنما أيضا من خلال البحث عن صيغ مبتكرة تمكنهم من الاستفادة، بشكل مجاني أو بشروط تفضيلية، من بعض الامتيازات والخدمات التي يستفيد منها الأجراء النشطون، تكريسا لثقافة الوفاء والاعتراف بالجميل، وتجسيدا لاستمرارية الانتماء للمؤسسة حتى بعد انتهاء العلاقة الشغلية. فالوفاء للمتقاعد لا يكون بخلط الأدوار والصفات القانونية، وإنما ببناء جسور دائمة معه، والإنصات لانشغالاته الحقيقية، وتمكينه من آليات تمثيلية خاصة به، والاستفادة من خبراته المتراكمة، وصيانة كرامته الاجتماعية، بما يحقق التضامن بين الأجيال ويعزز الرأسمال اللامادي للمؤسسة. ولعل مستقبل الحكامة الاجتماعية داخل المقاولات والمؤسسات، لن يقاس فقط بما تقدمه للأجراء وهم في وضعية نشاط، بل أيضا بقدرتها على الحفاظ على ذاكرتها الجماعية، والوفاء لرجالها ونسائها بعد الإحالة على التقاعد، لأن الخبرة لا تتقاعد، ولأن الانتماء الحقيقي للمؤسسة لا ينتهي بانتهاء العلاقة الشغلية، بل يستمر في صورة وفاء متبادل، وعطاء متجدد، وجسر ممتد بين الأجيال.

وفي الاخير، إن الخبرة لا تتقاعد، والانتماء الحقيقي للمؤسسة لا ينتهي بانتهاء العلاقة الشغلية، بل يتحول إلى ذاكرة حية ورأسمال بشري ومعرفي يستحق التقدير والتثمين، في إطار من الوضوح المؤسساتي واحترام اختصاصات كل فئة.

*باحث وخبير في تشريع الشغل والعلاقات المهنية

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من إعلام تيفي ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة