المحاماة في لحظتها الدستورية.. الانتقال من الاحتجاج إلى الحجاج الدستوري

منذ ساعتين

المحاماة في لحظتها الدستورية.. الانتقال من الاحتجاج إلى الحجاج الدستوري

تكتسب إحالة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة على المحكمة الدستورية دلالةً تتجاوز مجرد انتقال المشروع من المؤسسة التشريعية إلى المؤسسة الدستورية، إذ تؤشر إلى انتقال نوعي في طبيعة النقاش ذاته؛ من نقاش حول ملاءمة الاختيارات التشريعية إلى نقاش حول مشروعيته الدستورية، ومن مساءلة النص في ضوء التقديرات السياسية والمهنية إلى مساءلته في ضوء المبادئ الدستورية المؤسسة لدولة القانون. وهي لحظة تكتسب خصوصيتها لأن الأمر لا يتعلق بقانون ينظم نشاطاً مهنياً عادياً، وإنما بنص يؤطر إحدى المؤسسات التي أنيطت بها وظيفة لا تنفصل عن حماية الحقوق والحريات وضمان المحاكمة العادلة.

ولذلك، فإن هذه اللحظة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نهاية لمسار الاحتجاج الذي انخرطت فيه مكونات المهنة دفاعاً عن استقلالها ورسالتها، ولا باعتبارها دعوة إلى استبدال التعبئة المهنية بلغة قانونية باردة. فالاحتجاج، عندما يتعلق بالدفاع عن استقلال المحاماة وصيانة رسالتها، يظل تعبيراً مشروعاً عن يقظة مهنية وحقوقية، ويظل إحدى وسائل الإسهام في النقاش العمومي حول التشريع. غير أن الإحالة على المحكمة الدستورية أضافت إلى هذا المسار بعداً آخر، لا ينافسه ولا ينفيه، وإنما يستكمله ويمنحه امتداده الطبيعي داخل الفضاء الذي رسمه الدستور نفسه لحسم هذا النوع من الخلافات. فالاحتجاج يظل عنواناً للموقف، أما الحجاج الدستوري فيصبح لغة الإقناع أمام الجهة التي لا تحتكم إلا إلى النص الدستوري وروحه.

ذلك أن المحكمة الدستورية لا تنظر في قوة المواقف، ولا في حجم الاصطفافات المهنية، ولا في اتساع دائرة الاعتراض، وإنما تنظر في مدى احترام المشرع للحدود التي رسمها الدستور لسلطته في التشريع. وهي، لذلك، لا تسأل إن كان النص قد أرضى فئة أو أغضب أخرى، بل تسأل سؤالاً واحداً: هل ظل المشرع، وهو ينظم هذا المجال، وفياً للمبادئ الدستورية التي تمنحه الشرعية وتقيد سلطته في الآن نفسه؟ ومن هنا، فإن الملف، منذ لحظة الإحالة، لم يعد يحتمل الخطاب الانفعالي وحده، بل أصبح في حاجة إلى خطاب آخر، أكثر عمقاً وأشد انضباطاً، قوامه البرهان الدستوري والاستدلال القانوني واستحضار الاجتهاد القضائي والفقه الدستوري.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه المرحلة. فهي لا تفرض على المحامين أن يغيروا قناعاتهم، وإنما تدعوهم إلى الارتقاء بأدوات الدفاع عنها. فالمعركة الدستورية لا تُكسب بالشعارات مهما بلغت عدالتها، ولا بسلامة النوايا مهما كانت مشروعيتها، وإنما تُكسب حين تتحول القناعة المهنية إلى حجة قانونية، وحين يصبح الاعتراض مؤسساً على بيان وجه التعارض بين النص التشريعي والمبدأ الدستوري، لا على مجرد الإعلان عن وجود هذا التعارض.

ولعل هذا هو التحول الأهم الذي أفرزته الإحالة على المحكمة الدستورية. فالنقاش لم يعد يدور حول قبول المشروع أو رفضه في مجموعه، وإنما حول مدى اتساق كل مقتضى من مقتضياته مع البناء الدستوري الذي يؤطر منظومة العدالة. ولم يعد السؤال: هل ينسجم النص مع تطلعات المحامين؟ بل أصبح: هل ينسجم مع الدستور؟ وهل يحافظ على التوازن الذي أقامه بين سلطة التنظيم التشريعي وضمانات الحق في الدفاع واستقلال المؤسسات المساهمة في تحقيق العدالة؟

ولهذا فإن الخطأ المنهجي الذي قد يقع فيه النقاش العمومي هو الاعتقاد بأن إحالة المشروع إلى المحكمة الدستورية تعني انتهاء دور الفاعلين المهنيين والحقوقيين. والحقيقة أن دورهم يبدأ، في جانب كبير منه، من هذه اللحظة بالذات. فالفترة الفاصلة بين الإحالة والبت ليست زمناً للانتظار، وإنما زمناً لإنتاج المعرفة الدستورية، وإعادة بناء الاعتراضات المهنية في صورة دفوع قانونية دقيقة، قادرة على مخاطبة المحكمة بلغتها، أي بلغة المبادئ الدستورية، والاجتهاد القضائي، والمنطق القانوني.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تغيير في أسلوب الخطاب، وإنما بتحول في طبيعة المسؤولية نفسها. فحين كان المشروع معروضاً على البرلمان، كان النقاش يدور أساساً حول الاختيارات التشريعية ومدى ملاءمتها. أما بعد الإحالة، فقد أصبح النقاش منصباً على سؤال أعمق: أين تبدأ سلطة المشرع في تنظيم مهنة المحاماة، وأين تقف حدودها الدستورية؟ وهل يجوز، تحت عنوان التنظيم، المساس بالوظيفة التي تؤديها المحاماة باعتبارها إحدى الضمانات المؤسسية لحماية الحق في الدفاع؟

هذا هو السؤال الذي سيواجه المحكمة الدستورية، وهو أيضاً السؤال الذي ينبغي أن تنصرف إليه كل الجهود العلمية خلال المرحلة المقبلة. لأن القيمة الدستورية للمحاماة لا تستمدها من كونها مهنة حرة فحسب، وإنما من كونها إحدى الأدوات التي اختارها الدستور لضمان ألا يتحول الحق في الدفاع إلى مجرد إعلان نظري، بل يظل حقاً فعلياً يجد سنده في مؤسسة مستقلة، قادرة على أداء رسالتها بعيداً عن كل ما قد ينتقص من استقلال ويفرغ وظيفتها من مضمونها.

غير أن إدراك هذه الحقيقة يقتضي، قبل كل شيء، التحرر من قراءة تختزل مشروع قانون المحاماة في مجرد خلاف مهني بين الحكومة والمحامين، أو في نزاع حول بعض المقتضيات التنظيمية المتعلقة بشروط الولوج إلى المهنة أو بتدبير مؤسساتها. فمثل هذه القراءة، وإن وجدت ما يسندها في ظاهر الوقائع، تبقى قاصرة عن استيعاب البعد الدستوري الحقيقي لهذا الملف. فالمحكمة الدستورية لن تنظر إلى المشروع باعتباره قانوناً ينظم مهنة من المهن، وإنما باعتباره نصاً قد يؤثر في إحدى الدعائم التي يقوم عليها الحق في التقاضي، وفي إحدى الضمانات التي لا تستقيم العدالة من دونها.

ومن ثم، فإن السؤال الذي تطرحه الإحالة يتجاوز بكثير حدود النص المحال على المحكمة. إنه سؤال يتعلق بالحدود التي رسمها الدستور للمشرع وهو ينظم مؤسسة جعلها شريكاً في تحقيق العدالة ووسيلة من وسائل حماية الحقوق والحريات. فالمحاماة، كما هو متعارف عليه ليست امتيازاً مهنياً يسعى المنتسبون إليها إلى صونه، وإنما مؤسسة دستورية تستمد مشروعيتها من وظيفتها في حماية حق المواطن في الدفاع، وفي إرساء التوازن بين سلطة الدولة وضمانات الأفراد.

ومن هنا تبرز نقطة التحول التي ينبغي أن تؤطر الخطاب القانوني في هذه المرحلة. فالمرافعة التي تنطلق من الدفاع عن المصالح المهنية، مهما بلغت وجاهتها، تظل مرافعة مهنية. أما المرافعة التي تقيم البرهان على أن المساس باستقلال وحصانة المحاماة يؤدي إلى إضعاف ضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع، فهي التي ترتقي إلى مستوى المرافعة الدستورية. والفرق بينهما ليس فرقاً في اللغة أو في الأسلوب، بل في زاوية النظر؛ فالأولى تدافع عن مصلحة فئة، بينما الثانية تنتصر لمبدأ دستوري، والقضاء الدستوري لا يحمي المصالح الفئوية، وإنما يصون المبادئ التي يقوم عليها النظام الدستوري.

ولهذا، فإن المسؤولية التاريخية التي أفرزتها هذه الإحالة لا تتمثل في مضاعفة الاعتراضات، وإنما في إعادة بنائها وفق منطق الرقابة الدستورية. فليس كل خلاف مهني يرقى إلى مرتبة الإشكال الدستوري، وليس كل تحفظ على نص تشريعي يصلح لأن يكون سبباً للحكم بعدم دستوريته. وإنما يقتضي الأمر تحديد المقتضيات التي يُحتمل تعارضها مع الدستور، وربطها بالمبادئ الدستورية ذات الصلة، وبيان الأثر الذي يمكن أن تُحدثه في الحق في الدفاع، أو في الأمن القانوني، أو في ضمانات المحاكمة العادلة، أو في مبدأ التناسب، أو في المساواة أمام القانون.

ولذلك، تكتسب المادة 25 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية أهمية خاصة، لأنها لا تنظم إجراءً شكلياً فحسب، وإنما ترسم معالم الخصومة الدستورية ذاتها. فهذه المادة حصرت حق الإدلاء بالملاحظات الكتابية في رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وأعضاء مجلسي البرلمان، بعد إشعارهم بالإحالة، وهو ما يعني أن المشرع التنظيمي أسند هذا الاختصاص حصراً إلى الجهات الدستورية التي حددها، ولم يجز مباشرته من قبل الهيئات المهنية أو الجمعيات أو غيرها.

ومن هنا، فإن إحدى المسؤوليات التي تفرضها المرحلة على المؤسسات المهنية للمحاماة تتمثل، بعد إعداد مذكراتها ودراساتها الدستورية، في الانفتاح على هذه الجهات الدستورية، ووضع تلك المذكرات رهن إشارتها، حتى تستأنس بما تتضمنه من حجج وتحليلات عند ممارسة اختصاصها الأصيل في تقديم الملاحظات الكتابية إلى المحكمة الدستورية. فالمعركة الدستورية لا تقوم فقط على جودة الحجة، وإنما كذلك على حسن تدبير المسار المؤسساتي الذي رسمه القانون لإيصالها إلى الجهة المخول لها قانوناً إبداء تلك الملاحظات.

وهكذا، فإن الانتقال من الاحتجاج إلى الحجاج الدستوري لا يعني، بأي حال، التخلي عن الأشكال النضالية التي تقررها المؤسسات المهنية، ولا الانتقاص من مشروعيتها، وإنما يعني استكمالها بأداة أخرى يفرضها انتقال الملف إلى مرحلة الرقابة الدستورية. فالاحتجاج يظل وسيلة مشروعة للتعبير عن الموقف والدفاع عن استقلال المهنة، أما الحجاج الدستوري فهو الأداة التي يقتضيها منطق القضاء الدستوري، والقائمة على البرهان القانوني، والاستدلال بالمبادئ الدستورية، والاجتهاد القضائي، والفقه المقارن. وهما مساران متكاملان لا متعارضان، يخدم كل منهما الغاية ذاتها من موقع مختلف.

ولعل ما يمنح هذه اللحظة قيمتها الاستثنائية أن القرار الذي ستصدره المحكمة الدستورية لن يقف أثره عند حدود هذا المشروع، بل سيؤسس لاجتهاد دستوري سيرسم، لسنوات طويلة، الحدود التي يتحرك داخلها المشرع وهو ينظم مهنة المحاماة ومختلف المهن المساهمة في إقامة العدالة. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بمصير مشروع قانون، وإنما ببناء مرجعية دستورية تؤكد أن تنظيم المحاماة لا يكتسب مشروعيته إلا بقدر وفائه لوظيفتها في حماية الحق في الدفاع وصون الحقوق والحريات.

وهنا تحديداً تتجلى القيمة العميقة للحظة التي تعيشها المحاماة اليوم. فهي ليست لحظة خلاف حول نص تشريعي، وإنما لحظة يعاد فيها تعريف العلاقة بين سلطة التشريع وحدودها الدستورية، وبين مؤسسة الدفاع باعتبارها إحدى الضمانات الجوهرية لدولة الحق والقانون. وما ستقوله المحكمة الدستورية في هذا الملف لن يحدد فقط مصير مشروع قانون، بل سيشكل علامة فارقة في تطور العدالة الدستورية بالمغرب، وسيكرس، إما صراحة وإما ضمناً، المكانة الدستورية التي تحتلها المحاماة داخل منظومة حماية الحقوق والحريات.

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من العمق المغربي ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة