معطيات تنسبها "جبروت" إلى الأجهزة الأمنية المغربية تحت مجهر الصحافة الدولية
منذ يوم
وضعت مجموعة تطلق على نفسها اسم “جبروت” أجهزة الأمن المغربية أمام واحدة من أعقد أزمات البيانات التي شهدتها البلاد، بعدما نشرت، في 24 غشت الجاري، أربعة جداول زعمت أنها تتضمن معطيات شخصية ومهنية لنحو 70 ألف شخص تربطهم بالمديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
غير أن خطورة القضية لا تكمن فقط في حجم البيانات المنشورة، بل في استمرار الغموض بشأن مصدرها، وحداثتها، ونسبة المعطيات الصحيحة داخلها، وما إذا كانت ناتجة عن اختراق مباشر للأنظمة الأمنية أم عن تجميع قواعد بيانات سابقة وإعادة تركيبها وتقديمها في قالب استخباراتي مثير.
وبينما سارعت وسائل إعلام أجنبية إلى وصف الواقعة بأنها كشف لهويات عشرات الآلاف من «الجواسيس المغاربة»، يكشف فحص أكثر حذرا أن الجداول تخلط، على ما يبدو، بين موظفي الأمن الوطني وعناصر من مراقبة التراب الوطني وأطر إدارية وأشخاص متوفين، ما يجعل تحويل جميع الأسماء إلى «عملاء استخبارات» استنتاجا لا تسنده الأدلة المتاحة.
ماذا نشرت “جبروت”؟
تضم الملفات المتداولة أسماء كاملة وتواريخ ازدياد وأرقاما إدارية ومعطيات مرتبطة بالتوظيف والرتب.
وتقول “جبروت” إن البيانات تخص 70 ألف عنصر في جهازي الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، وإن بعضهم اشتغل أو تحرك داخل دول أوروبية. وربطت المجموعة عملية النشر بأزمة الهجرة الجماعية نحو سبتة في 30 و31 يوليوز، وقدمت التسريب باعتباره «هدية لإسبانيا وأوروبا».
كما اتهمت المجموعة مسؤولين مغاربة بالتورط في تدبير تلك الأحداث، وتوعدت بنشر ما وصفته بأوامر مهمة ووثائق تثبت انتقال عناصر أمنية إلى المنطقة قبل الأزمة وأثناءها.
لكن هذه الاتهامات لم تُرفق، إلى حدود كتابة هذه المادة، بأدلة مستقلة قابلة للتحقق. ولا تكفي قاعدة بيانات، حتى إذا ثبتت صحة جانب منها، لإثبات وجود خطة رسمية لدفع المهاجرين نحو سبتة. لذلك يجب الفصل بين سؤالين مختلفين: هل تتضمن الملفات بيانات حقيقية؟ وهل تثبت تلك البيانات الرواية التي بنتها عليها «جبروت»؟ الأول قابل للفحص التقني، أما الثاني فما يزال مجرد ادعاء.
الصحافة الإسبانية: من التغطية إلى التهويل
كانت صحيفة «إل كونفيدنسيال» الإسبانية في مقدمة المنابر التي تناولت الموضوع، ونقلت عن عناصر سابقة في الاستخبارات المغربية قولها إن جزء من المعطيات التي اطلعت عليها صحيح. غير أن هذا التحقق الجزئي لا يعني المصادقة على الجداول بكاملها، ولا يثبت أن جميع المدرجين فيها عناصر استخبارات أو أنهم نفذوا مهمات سرية في أوروبا.
وانتقلت رواية «إلكونفيدنسيال» بسرعة إلى قنوات وصحف إسبانية أخرى. فقد تحدثت قناة «لا سيكستا» عن نشر بيانات 70 ألف عنصر وشرطي مغربي، وربطت الواقعة بأزمة سبتة، مستندة أساسا إلى ما نشرته الصحيفة وإلى ادعاءات “جبروت”، وليس إلى تحقيق تقني مستقل للقناة نفسها. تغطية لا سيكستا
ونشرت صحيفة «آرا» الكتالونية المادة بصيغة أكثر تحفظا، فاستخدمت عبارات من قبيل «يُزعم» و«بحسب المجموعة»، وأشارت إلى أن صحة المعلومات لم تؤكدها أي جهة رسمية. كما ذكرت أن روابط الملفات حُجبت بسبب مخالفتها شروط المنصة التي استضافتها. تغطية صحيفة آرا
تكشف هذه التغطيات أن جزء من الصحافة الإسبانية دمج بين واقعتين لم يثبت ارتباطهما بعد وهي وجود ملفات تتضمن بيانات أمنية، وادعاء أن أجهزة مغربية دبرت عملية الهجرة نحو سبتة. وهو ربط مفهوم في سياق التوتر السياسي بين مدريد والرباط، لكنه لا يزال صحفيا وقانونيا في حاجة إلى أدلة مستقلة.
«لوموند»: معطيات حساسة وهوية محتملة للمسربين
في فرنسا، نشرت صحيفة “لوموند” تحقيقا قالت فيه إنها اطلعت على الجداول الأربعة، وإنها تتضمن أساسا أسماء غير معروفة، إلى جانب مسؤولين وأطر في الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني.
وسجلت الصحيفة أن أحدث تاريخ توظيف ظاهر في الملفات يعود إلى سنة 2020، وأن القوائم تتضمن أشخاصا توفوا لاحقا، من بينهم المدير السابق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية الفقيد عبد الحق الخيام، وهو ما يرجح أن البيانات، إذا كانت أصلية، ليست حديثة.
وأكدت “لوموند” أنه يتعذر عليها إثبات أصالة القوائم كاملة، لكنها لاحظت أن طبيعة البيانات قد تشير إلى مصدر إداري أو برنامج لتدبير الأجور والموارد البشرية.
والأكثر إثارة أن الصحيفة نسبت العملية، استنادا إلى معلوماتها الخاصة، إلى خمسة عناصر سابقة في مراقبة التراب الوطني، قالت إنهم غادروا الجهاز ويوجدون في أوروبا.
وهذه رواية صحفية مهمة، لكنها ليست نتيجة تحقيق قضائي أو تقني معلن، ولا يجوز تحويلها إلى حقيقة قطعية من دون أدلة إضافية أو موقف من الأشخاص والجهات المعنية.
كما شددت الصحيفة على أنه لا شيء يسمح باعتبار الأشخاص السبعين ألفا “جواسيس”، لأن القائمة الرئيسية تخلط بين عناصر محتملة في مراقبة التراب الوطني وموظفي الشرطة وأطر إدارية. تحقيق لوموند
ولا يظهر، إلى حدود البحث المنجز، أن وكالات دولية كبرى مثل رويترز أو أسوشيتد برس أجرت تحقيقا مستقلا في التسريب نفسه.
واستعمال بعض المواقع صورة لوكالة رويترز مرتبطة بأزمة سبتة لا يعني أن الوكالة تحققت من وثائق “جبروت”.
بيانات قديمة أعيد تجميعها
في المقابل، نشر موقع «ميديا24» المغربي فحصا خلص فيه إلى أن الملفات قد تكون تجميعا لمعلومات سبق تسريبها، وأن غالبية الأسماء ترتبط، على الأرجح، بالأمن الوطني لا بالاستخبارات.
واستند الموقع إلى حجم الملفات وبنيتها ووجود سجلات قديمة وأسماء مركبة أو مكررة وأشخاص متوفين، معتبرا أن وصفها بأنها قائمة لـ”70 ألف جاسوس” غير صحيح.
هذه الملاحظات تضعف الرواية الدعائية المصاحبة للتسريب، لكنها لا تلغي المشكلة الأصلية: وجود معطيات شخصية وإدارية تخص موظفين أمنيين في التداول. فإثبات أن القوائم لا تضم 70 ألف جاسوس لا يعني أن تسرب بيانات موظفي الشرطة أمر بسيط أو عديم الخطورة. فحص ميديا24
ومن ثم، هناك احتمالان لا يتعارضان بالضرورة: أن تكون “جبروت” بالغت في توصيف البيانات وأعادت تقديم معطيات قديمة باعتبارها اختراقا جديدا، وأن يكون جانب من تلك المعطيات حقيقيا وحساسا ويكشف خللا خطيرا في حماية البيانات الإدارية.
كيف تعامل العقل الرسمي؟
حتى صباح 26 غشت الجاري، لم تكن المديرية العامة للأمن الوطني ولا المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ولا وزارة الداخلية قد أصدرت، بحسب ما سجلته “لوموند”، توضيحا علنيا يشرح طبيعة الملفات أو مصدرها أو الإجراءات المتخذة لحماية الأشخاص الذين ظهرت بياناتهم.
ويعكس هذا الصمت اختيارا رسميا يقوم على عدم منح “جبروت” شرعية أو مساحة إضافية، وربما على معالجة الأزمة داخل الدوائر الأمنية والتقنية بعيدا عن الإعلام. لكنه يترك في الوقت نفسه المجال للروايات الأجنبية كي تحدد وحدها طبيعة الواقعة وحجمها.
كما أن بعض التغطيات المغربية اتجهت إلى تفكيك رواية “70 ألف جاسوس” والتركيز على المبالغات والتناقضات، بدل طرح أسئلة موازية حول أصل البيانات، وكيف وصلت إلى التداول، وما إذا جرى إشعار الأشخاص المتضررين أو اتخاذ تدابير لمنع استعمال معطياتهم في الاحتيال والابتزاز وانتحال الهوية.
المطلوب رسميا ليس تأكيد أسماء أو نفيها واحدا واحدا، فهذا قد يزيد الضرر، وإنما تقديم جواب مؤسساتي عن أسئلة محددة من قبيل هل تعرضت أنظمة الأمن الوطني أو مراقبة التراب الوطني لاختراق مباشر؟ وهل تعود البيانات إلى تسريبات سابقة من مؤسسات أخرى؟ وما الفترة الزمنية التي تغطيها؟ وهل فُتح تحقيق جنائي وتقني؟ وما التدابير المتخذة لحماية الموظفين وأسرهم؟ وهل جرى إشعار اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي؟
من الضمان الاجتماعي إلى المحافظة العقارية
لا يمكن فهم العملية الأخيرة بمعزل عن المسار الذي بدأ في أبريل 2025، عندما أعلنت “جبروت” الحصول على بيانات من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وبحسب شركة “ريسيكيوريتي”، المتخصصة في الأمن السيبراني، تضمنت التسريبات معطيات لنحو مليونين من الأجراء، مرتبطة بالأجور والمعرفات الإدارية وبعض المعلومات البنكية. وقالت الشركة إن فحوصا أجرتها مع جهات متضررة أكدت صحة جانب من البيانات، مع بقاء طريقة الحصول عليها غير معروفة. تحليل اختراق الضمان الاجتماعي
وفي يونيو 2025، أعلنت المجموعة استهداف الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية. وقالت شركة «سايبل أنجل» المتخصصة إن العينات المعلنة تضمنت آلاف الرسوم العقارية ووثائق بيع وشراء ونسخ بطاقات تعريف وجوازات سفر ووثائق بنكية.
كما ظهرت ضمن العينات مجلدات تحمل أسماء شخصيات عمومية، من بينها فوزي لقجع ومحمد ياسين المنصوري وناصر بوريطة، لكن وجود وثيقة تحمل اسم مسؤول لا يثبت وحده مخالفة قانونية أو تضخما غير مشروع في الممتلكات. المطلوب هو التحقق من الوثيقة لدى المحافظة العقارية، وفحص تاريخ التملك ومصدر التمويل والتصريحات الإلزامية بالممتلكات، ثم تمكين المعني من حق الرد. التحليل التقني لتسريب المحافظة العقارية
وفي موجات لاحقة، نشرت “جبروت” وثائق أو صور وثائق قالت إنها تتعلق بممتلكات أو معاملات عقارية منسوبة إلى مسؤولين، بينهم نزار بركة وعبد اللطيف وهبي وفاطمة الزهراء المنصوري وعبد الوافي لفتيت وناصر بوريطة، إضافة إلى ملفات مرتبطة «سينيسيس».
لكن يجب التعامل مع كل اسم باعتباره ملفا مستقلا. فلا يصح جمع وثائق مختلفة في سلة واحدة ثم تقديمها دليلا عاما على الفساد. وقد تكون بعض التصرفات العقارية قانونية بالكامل، حتى وإن أثارت أسئلة سياسية أو أخلاقية بشأن الثروة أو تضارب المصالح.
وطبعا الوثيقة قد تثبت وجود عقار أو معاملة، لكنها لا تثبت تلقائيا جريمة أو استغلال نفوذ. الجريمة تحتاج إلى عنصر قانوني إضافي، مثل عدم مشروعية المصدر أو الإخفاء أو التزوير أو تضارب المصالح أو مخالفة قواعد التصريح بالممتلكات.
سياق سياسي واجتماعي شديد الحساسية
جاء نشر الجداول الأمنية بعد أزمة هجرة غير مسبوقة نحو سبتة، خلفت وفيات ومفقودين ونقلت التوتر المغربي الإسباني من المجال الإنساني إلى الاتهامات السياسية والأمنية.
وتزامن ذلك مع تراجع الثقة في بعض المؤسسات وعلى رأسها مؤسسة الحكومة المغربية، واحتقان اجتماعي بسبب الغلاء والبطالة وصعوبة ولوج الشباب إلى الشغل والسكن، إضافة إلى النقاش حول امتيازات النخب وثروات المسؤولين.
وفي هذا المناخ، تجد الوثائق المتعلقة بالأجور والعقارات والتعويضات قابلية كبيرة للانتشار، لأن الجمهور لا يتعامل معها باعتبارها مجرد ملفات تقنية مسروقة، بل يقرأها في ضوء الفوارق الاجتماعية وشعوره بغياب الشفافية والمحاسبة.
كما لا يمكن فصل موجات «جبروت» عن الصراع السيبراني والإعلامي بين المغرب والجزائر. فقد قدمت المجموعة نفسها في البداية بهوية توحي بارتباطها بالجزائر، وربطت بعض عملياتها بالرد على ما اعتبرته حملات مغربية ضد الجزائر. لكن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها لإثبات أن السلطات الجزائرية تقف وراءها، مثلما أن حذف اللاحقة «DZ» لا يثبت أن مصدرها أصبح مغربيا أو داخليا، لهذا تبقى هوية ” جبروت” لحد الساعة ملغومة فقد تكون ” جزائرية” وقد لاتكون.
ثلاثة احتمالات رئيسية:
أولا، وقوع اختراق مباشر لأنظمة مؤسسات مغربية مختلفة؛ وثانيا، تجميع بيانات حصل عليها الفاعل من اختراقات سابقة ثم إعادة نشرها في حزمة واحدة؛ وثالثا، وجود تسريب داخلي جزئي أضيف إلى قواعد بيانات مسروقة لإضفاء المصداقية على العملية.
قد تجتمع الاحتمالات الثلاثة داخل الحزمة نفسها. لذلك لا ينبغي الحكم على عشرات الآلاف من السجلات من خلال صحة اسم واحد أو خطأ اسم آخر. الفحص المهني يتطلب تحليل بيانات الإنشاء والتعديل، وبنية الجداول، والتكرارات، والأرقام الإدارية، والتطابق مع قواعد سابقة، ثم سؤال المؤسسات المعنية.
قضية “جبروت” ليست، حتى الآن، كشفا مثبتا “لـ70 ألف جاسوس”، وليست أيضا مجرد “فقاعة” يمكن إغلاقها بتفنيد الرقم. الثابت هو تداول كمية كبيرة من البيانات الشخصية والإدارية الحساسة، وأن جزءً منها يتطابق، بحسب مصادر صحفية وتقنية، مع معلومات حقيقية.
أما مصدر الملفات، وهوية من يقف وراء المجموعة، وحدود الاختراق، وعلاقة العملية بأزمة سبتة، فلا تزال مجرد مزاعم ومسائل غير محسومة.
وبين رواية «الضربة الاستخباراتية الأكبر» ورواية «إعادة تدوير بيانات قديمة»، توجد حقيقة لا تحتاج إلى مبالغة قِوامُها أن مؤسسات الدولة المغربية تواجه أزمة متراكمة في حماية المعطيات والتواصل مع المواطنين عند وقوع التسريبات.
فالسكوت قد يمنع تضخيم عملية دعائية لساعات، لكنه لا يقدم للمتضررين جوابا عن مصير بياناتهم، ولا يمنع وسائل إعلام خارجية من ملء الفراغ بروايات قد تخلط بين الخبر والاتهام، وبين الوثيقة والدعاية، وبين الأمن الوطني والاستخبارات.
واليوم، الاختبار الحقيقي ليس فيما إذا كانت “جبروت” نجحت في صناعة عنوان مدو، بل فيما إذا كانت الدولة ستفتح تحقيقا شفافا، وتحمي المتضررين، وتشرح حدود ما وقع، وتحاسب المسؤولين عن أي تقصير، من دون تحويل الصحفيين الذين يناقشون القضية إلى هدف بديل عن مصدر الخلل.
...لماذا التصفح على التطبيق احسن
أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة

