علي سالم ومنطق الابتزاز.. هل تحولت قضية الصحراء إلى ورقة للمساومة؟
منذ 3 ساعات
من السهل أن يلفت شخص مجهول الانتباه حين يرفع صوته ضد المغرب، ومن السهل أكثر أن يجد منابر مستعدة لتقديمه باعتباره “صوتا جديدا” في قضية الصحراء، لكن الأصعب هو أن يقنع المتابع بأن وراء هذا الضجيج مشروعا سياسيا حقيقيا، لا مجرد محاولة للتموقع والاستفادة من التناقضات القائمة بين المغرب والجزائر وإسبانيا وجبهة البوليساريو الانفصالية.
ومن هذه الزاوية، تبدو حالة الطالب علي سالم جديرة بقراءة مختلفة، لا تنطلق من حجم الضجيج الذي يصنعه الرجل، وإنما من طبيعة مواقفه وتوقيت ظهوره والجهات التي تفتح له المنابر والدوائر التي تحاول، في المقابل، الاستفادة من قربها منه.
الطالب علي سالم ظهر في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مستفيدا من أزمة سبتة المحتلة ومن حاجة بعض المنابر الإسبانية اليمينية إلى أصوات تهاجم المغرب، قبل أن يتحول إلى مادة إعلامية تقدم أحيانا باعتباره أحد الأصوات الصحراوية الجديدة. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه يتجاوز ماذا يقول طالب علي سالم، إلى لماذا يقول ذلك الآن ومن المستفيد من خطابه؟
الطالب يقدم نفسه باعتباره مدافعا عن تقرير المصير ومناهضا لما يسميه “الاحتلال المغربي”، لكنه وجد نفسه خلال أزمة سبتة مدافعا عن الاستعمار الاسباني بمدينتي سبتة ومليلية، بل إن بعض تصريحاته ذهبت إلى الحديث عن امتلاك إسبانيا وسائل ضغط قادرة على “تدمير المغرب سياسيا واقتصاديا”. وهذه المفارقة ليست تفصيلا عابرا، لأنها تكشف أن الخطاب الذي يرفع شعارات المبدأ يمكن أن يصبح قابلا لإعادة التوظيف بحسب الظرف والمنصة والجمهور.
غير أن الأكثر إثارة في قصة الطالب علي سالم لا يوجد بالضرورة أمام الكاميرات، وإنما فيما يتردد عن الكواليس المحيطة به. فالمعطيات التي يتم تداولها تفيد بأن شخصا يعد من أقرب المقربين إليه يتحرك في بعض الأوساط المغربية، ويدخل في اتصالات غير رسمية مع نشطاء من أجل تحقيق مصالح تخصه شخصيا، مقدما نفسه باعتباره قادرا على التأثير في الطالب والتحكم في خطابه.
والأخطر أن هذا الشخص يتباهى في بعض لقاءاته غير الرسمية بقربه من الطالب، ويعد من يتواصل معهم بأنه قادر على إسكات الرجل أو الحد من خرجاته إذا حصل هو على ما يريد. وهو ما يجعلنا أمام محاولة لتحويل علاقة أسرية إلى أداة ضغط، وتحويل خطاب انفصالي إلى ورقة تفاوض، وتحويل قضية الصحراء المغربية إلى مجال للاستفادة الشخصية.
وهنا بالضبط تظهر محدودية التصور الذي يريد البعض فرضه على الدولة المغربية، وكأن الرباط يمكن أن تكون مستعدة لدفع المال مقابل إسكات شخص أو شراء ولائه. فالمغرب الذي واجه طوال عقود دولا تملك جيوشا وترسانات عسكرية وشبكات تحالفات ومصالح دولية، ولم يتعامل مع قضية وحدته الترابية بمنطق الخوف أو التراجع، لا يمكن أن ينظر إلى شخص مهما بلغ حضوره الإعلامي باعتباره تهديدا يستدعي شراء صمته.
ومن يعتقد أن بإمكانه أن يأتي إلى الدولة المغربية ليقول لها: ادفعوا وسأجعل هذا الشخص يصمت، فهو في الحقيقة لا يعرف المغرب ولا يفهم طبيعة الدولة حين يتعلق الأمر بالسيادة والوحدة الترابية. فهذه ليست قضية أصوات انتخابية يمكن جمعها، ولا ولاءات يمكن شراؤها، ولا صفقة يمكن عقدها خلف الأبواب المغلقة، وإنما قضية دولة تعتبر ترابها الوطني حقا غير قابل للمساومة، بل إن المملكة رفعت السقف عاليا، عندما أعلن جلالة الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى الـ69 لثورة الملك والشعب يوم 20 غشت 2022، أن قضية الصحراء المغربية هي “المنظار الذي ينظر به المغرب إلى العالم”، وأن موقف الدول من الوحدة الترابية أصبح معيارا أساسيا لتقييم علاقات المغرب معها. كما دعا بعض الشركاء، الذين كانت مواقفهم غير واضحة، إلى الخروج من المنطقة الرمادية واتخاذ مواقف صريحة.
والأكثر إثارة أن الرواية نفسها تفتح الباب أمام سؤال آخر يتعلق بالطالب علي سالم ومحيطه الانفصالي. فإذا كان شخص قريب منه يعتقد أنه قادر على إسكات الرجل مقابل الحصول على ما يريد من الجانب المغربي، فهل كان الطالب علي سالم نفسه يستخدم، في المقابل، خطابه وحضوره الإعلامي للضغط على قيادات البوليساريو والجزائر؟ ففترة الغياب الطويل عن منصات التواصل، وما رافقها من أخبار متداولة عن خلافات مع قيادات انفصالية ورفض مطالب نسبت إليه، ثم العودة لاحقا إلى الواجهة بالخطاب نفسه، كلها عناصر تجعل من المشروع مدعاة لطرح الأسئلة حول طبيعة هذه العلاقة وحول ما إذا كان الأمر يتعلق بقناعة سياسية ثابتة أم بمساومات متبادلة داخل معسكر الانفصال نفسه.
ولعل ما يجعل فرضية “اللعب على الحبلين” جديرة بالنقاش، هو أن الخطاب المعلن شيء، وما يجري في الكواليس شيء آخر تماما. ففي العلن يظهر الطالب علي سالم كصوت انفصالي يهاجم المغرب ويقدم نفسه باعتباره مدافعا عن البوليساريو، بينما يظهر شخص قريب منه في دوائر أخرى باعتباره قادرا على التأثير فيه وإسكاته إذا تحققت مطالبه. وبين الخطابين تقف شبكة من المصالح المحتملة التي قد تجعل القضية، بالنسبة إلى بعض المتدخلين، أقل ارتباطا بالمبدأ وأكثر ارتباطا بمن يدفع، ومن يمنح المساحة، ومن يوفر النفوذ، ومن يضمن الاستفادة. وإذا صح هذا التصور، فإننا لا نكون أمام مشروع سياسي جديد، وإنما أمام نموذج قديم من المتاجرة بالقضايا الكبرى وتحويلها إلى أدوات للابتزاز والارتزاق.
وهنا ينبغي التمييز بين قضية الصحراء باعتبارها قضية وطنية وسيادية بالنسبة إلى المغرب، وبين بعض الأشخاص الذين جعلوا من هذه القضية مصدر حضور أو نفوذ أو مورد للاستفادة. فالمغرب لم يعد يقيس قوة موقفه بعدد الأصوات التي تهاجمه من الخارج، ولا ينتظر من خصومه أن يمنحوه الشرعية، وإنما يواصل بناء واقعه السياسي والاقتصادي والدبلوماسي في أقاليمه الجنوبية، وتعزيز علاقاته الدولية، والدفع بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الجدي والواقعي لتسوية النزاع. ولذلك فإن محاولة تقديم الطالب علي سالم أو غيره باعتباره ورقة قادرة على إرباك الدولة المغربية لا تعدو أن تكون تضخيما لحجم الأشخاص على حساب حقيقة موازين القوة.
وفي هذا السياق، فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه بعض المقربين من هذه الدوائر هو الاعتقاد بأن الدولة المغربية تشتري الولاءات أو تدفع مقابل الصمت. المغرب قد يفتح الباب أمام من يختار العودة إلى وطنه بصدق، وقد يحتضن من يراجع موقفه عن قناعة، لكن الفرق كبير بين المصالحة وبين شراء المواقف، وبين استيعاب من اختار الوطن وبين تمويل شخص يعتقد أن بإمكانه تحويل موقفه أو موقف قريب منه إلى ورقة ابتزاز. فمن يختار المغرب عن اقتناع لا يحتاج إلى مقابل حتى يثبت مغربيته، ومن يريد أن يجعل من الانتماء سلعة ومن الصمت خدمة مدفوعة الأجر، فعليه أن يدرك أن الدولة لا تتعامل مع قضية السيادة بهذه الطريقة.
وفي النهاية، فإن قضية الطالب علي سالم قد تكون أقل أهمية من الصورة التي يحاول البعض صناعتها حوله. فالمغرب لم يخش دولا تجاهر بعدائها، وتملك من أدوات الضغط ما يفوق بكثير ما يمكن أن يملكه شخص أو مجموعة من النشطاء، فكيف يمكن أن تخشى الدولة شخصا لا يملك، في ميزان القوة، سوى قدرته على الظهور في بعض المنابر الإعلامية المعادية لمصالح المملكة المغربية؟ إن من يعرف المغرب يدرك أن الدولة لا تنظر إلى هذه القضايا بمنطق الانفعال، وإنما بمنطق المصلحة الوطنية وموازين القوة وثوابت السيادة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الطالب علي سالم يستطيع ابتزاز المغرب، وإنما من الذي أوهمه أو أوهم المقربين منه بأن المغرب يمكن أن يشتري صمته، ومن الذي يحاول تحويل قضية الصحراء إلى سوق تتغير فيها المواقف بحسب حجم المقابل. وفي الحالتين، سيبقى الفرق واضحا بين دولة تدافع عن أرضها باعتبارها حقا غير قابل للمساومة، وبين أشخاص قد يحاولون تحويل القضية نفسها إلى وسيلة للارتزاق والاستفادة.
...لماذا التصفح على التطبيق احسن
أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة

