قراءة أولية في نتائج 23 شتنبر 2026: من سؤال الفائز والخاسر إلى سؤال فعالية النظام الانتخابي

منذ ساعتين

قراءة أولية في نتائج 23 شتنبر 2026: من سؤال الفائز والخاسر إلى سؤال فعالية النظام الانتخابي

حسن حمورو

لا شك أن استحقاقات 23 شتنبر 2026 ليست مجرد موعد انتخابي جديد، بل محطة سياسية تستحق قراءة هادئة تتجاوز لغة الانتصار والهزيمة، وتتوقف عند ما تقوله الأرقام عن علاقة المغاربة بالسياسة، وعن تحولات الخريطة الحزبية، وعن طبيعة التمثيلية التي أفرزها نظام الاقتراع.

وبما أن المعطيات المعلنة من طرف وزارة الداخلية تظل نتائج غير نهائية، فإن القراءة الحالية ينبغي أن تظل مفتوحة على ما ستكشفه النتائج النهائية وتفاصيل الأصوات المحصل عليها في مختلف الدوائر.

وأول ما يستوقف في هذا الاستحقاق هو أن الانتخابات جرت في موعدها، بعد خمس سنوات من انتخابات 2021، بما ينسجم مع المدة الدستورية لولاية مجلس النواب المحددة في خمس سنوات، ومن الناحية المؤسساتية، يمثل احترام دورية الانتخابات واستمرار انتظامها عنصرا مهما في استقرار المسار الانتخابي، بصرف النظر عن النتائج التي تفرزها صناديق الاقتراع.

لكن انتظام موعد الانتخابات لا يلغي طرح السؤال حول حجم المشاركة، التي بلغت 38.02 في المائة وفق المعطيات التي أعلنتها وزارة الداخلية، مقابل نحو 50.1 في المائة في انتخابات 2021، أي بتراجع يقارب 12 نقطة مئوية، وهذه النسبة تجعل المشاركة واحدة من أبرز مفاتيح قراءة المشهد الجديد.

صحيح أن العزوف لا يمكن تفسيره آليا بأنه فقدان للثقة في الأحزاب أو المؤسسات، لأن دوافع عدم المشاركة متعددة، ولا يمكن حسمها دون استطلاعات ومعطيات اجتماعية وسياسية دقيقة، لكن حجم التراجع يفرض على الفاعلين السياسيين التوقف جديا عند المسافة التي ما تزال تفصل جزءا كبيرا من المواطنين عن العملية السياسية وفي صلبها الانتخابات.

أما على مستوى الخريطة الحزبية، فقد حملت النتائج تغييرا واضحا في ترتيب القوى، من دون أن تعني بالضرورة انقلابا شاملا في موازين القوة، فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال، فيما جاء حزب العدالة والتنمية رابعا بـ54 مقعدا.

وبالمقارنة مع انتخابات 2021، التي حصل فيها الأحرار على 102 مقعدا، والبام على 86 مقعدا، والاستقلال على 81 مقعدا، والعدالة والتنمية على 13 مقعدا، تبدو الخريطة الجديدة مختلفة في ترتيبها وأوزانها، لكنها لا تنطوي وحدها على تحول جذري في المشهد الحزبي.

أما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، فإن دلالته تحتاج إلى قراءة متأنية، ذلك أن الحصول على أكبر عدد من المقاعد يعني، بالمعنى البرلماني، أنه أصبح القوة الأولى داخل مجلس النواب وفق النتائج المعلنة، لكنه لا يكفي وحده للقول إن المجتمع المغربي اتجه جماعيا نحو هذا الحزب، أو ان تصدره يعكس تحولا كبيرا ودالّا في المزاج العام، حيث ان المقعد البرلماني هو في النهاية هو حصيلة نظام انتخابي وتنافس داخل دوائر متعددة، وتتدخل في تشكيله والحصول عليه عوامل مرتبطة بالتوزيع الجغرافي للأصوات وبطبيعة التنافس المحلي وبآليات تحويل الأصوات إلى مقاعد، ولذلك فإن قراءة اتجاهات الرأي العام تحتاج إلى الربط بين عدد المقاعد، وعدد الأصوات، ونسب التصويت، والتوزيع الجغرافي للنتائج.

وفي المقابل، فإن الرقم الأكثر إثارة للانتباه في هذه الانتخابات هو ما حققه حزب العدالة والتنمية، الذي انتقل من 13 مقعدا سنة 2021 إلى 54 مقعدا سنة 2026، أي بزيادة قدرها 41 مقعدا، وهو أكبر ارتفاع عددي بين الأحزاب الكبرى مقارنة بالانتخابات السابقة، وهذه القفزة تعني أن نتيجة 2026 أعادت الحزب إلى موقع أكثر حضورا داخل مجلس النواب، بعد النتيجة المحدودة التي حصل عليها في 2021.

غير أن الأهم في هذه العودة ليس الرقم في حد ذاته، وإنما السؤال الذي تطرحه هو هل تعكس تحولا في سلوك الناخبين، أم أمام إعادة توزيع للأصوات داخل خريطة سياسية ظلت المشاركة فيها محدودة، وطبعا لا يمكن الإجابة النهائية عن هذا السؤال من خلال عدد المقاعد وحده، فالارتفاع من 13 إلى 54 مقعدا يمثل تحولا انتخابيا واضحا، ويشكل انتصار سياسيا، لكن تفسير أسبابه ودلالته السياسية يتطلب معرفة حجم الأصوات التي حصل عليها الحزب وطنيا، ومقارنتها بما حصلت عليه باقي الأحزاب، فضلا عن تحليل التوزيع الجغرافي لهذه الأصوات.

وهنا يمكن أن يبرز السؤال الأوسع المتعلق بالتمثيلية الانتخابية، فالنتائج تفتح من جديد النقاش حول العلاقة بين الأصوات والمقاعد، أي كم صوتا يحتاج كل حزب للحصول على مقعد، ولماذا يمكن لحزب أن يتقدم بفارق كبير في بعض الدوائر، بينما تظل حصيلته الوطنية من المقاعد محدودة نسبيا، وهذه الأسئلة لا يمكن حسمها بمجرد النظر إلى الترتيب النهائي للمقاعد، بل تحتاج إلى نشر وتحليل النتائج التفصيلية للأصوات في جميع الدوائر.

والواقع أن بعض النتائج المعلنة توفر بالفعل أمثلة تستحق الدراسة، خاصة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الذي أعلن تصدره للنتائج في عدد من الدوائر بفارق كبير عن منافسيه، دون ان يُترجم هذا التقدم إلى مقاعد إضافية، وهذا لا يعني في حد ذاته وجود خلل انتخابي، لكنه يبرر طرح سؤال التمثيلية بصورة أكثر دقة، في اتجاه تحديد العلاقة بين قوة الحزب من حيث الأصوات وقوته من حيث المقاعد.

وفي المحصلة، تبدو انتخابات 23 شتنبر وكأنها تحمل ثلاث رسائل متزامنة، الرسالة الأولى هي استمرار الانتظام الانتخابي، والرسالة الثانية تتعلق بتراجع المشاركة، والرسالة الثالثة تكشف إعادة ترتيب نسبية للقوى الحزبية، وما يمكن وصفه بعملية إعادة انتشار الأغلبية السابقة.

لذلك، فإن القراءة الجادة لهذه النتائج لا ينبغي أن تتوقف عند عناوين “الفائز” و”الخاسر”، لأن الأهم هو أن استنتاج ما افرزته صناديق الاقتراع عن المشاركة، وعن الثقة في العمل السياسي، وعن فعالية النظام الانتخابي في تحويل أصوات المواطنين إلى تمثيلية برلمانية، وعن طبيعة التحولات داخل الخريطة الحزبية، وهذه العناصر هي التي ستحدد القيمة السياسية الحقيقية لانتخابات 23 شتنبر 2026.

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من أشطاري 24 ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة