القرار 2797 ينتقل إلى اللجنة الرابعة: ما الذي تغير؟ –
منذ ساعتين
ريما لبلايلي: خبيرة في السياسة و السياسات العامة
أول إحالة إلى قرار مجلس الأمن في نص اللجنة الرابعة تفتح مرحلة جديدة، لكنها تضع المغرب أمام أسئلة لا تجيب عنها الأرقام وحدها.
لا تصنع اللحظات التاريخية نفسها دفعة واحدة. ما يبدو اليوم تحولاً كبيراً هو في الغالب نتيجة سنوات من العمل الهادئ، وتراكم المواقف، وإعادة بناء التحالفات. لذلك فإن اعتماد اللجنة الرابعة للجمعية العامة، يوم 15 أكتوبر 2026، قرارها السنوي بشأن الصحراء بأغلبية 152 صوتاً مقابل صوتين وسبع امتناعات، ليس خبراً يُحتفى به لساعات. الأهم من الرقم هو ما يكشفه عن مسار القضية داخل الأمم المتحدة، وعن قدرة المغرب على البناء على ما راكمه.
لماذا تهم هذه الإحالة؟
لا بد أولاً من التمييز بين المؤسستين، لأن الخلط بينهما يقود إلى المبالغة أو إلى التقليل. مجلس الأمن هو الهيئة المسؤولة عن السلم والأمن الدوليين، وقراراته هي التي تحكم المسار السياسي للقضية. أما اللجنة الرابعة فهي إحدى لجان الجمعية العامة، ولا تحل قراراتها محل قرارات المجلس، ولا تتمتع تلقائياً بقوتها القانونية، كما يُعرض نصها لاحقاً على الجلسة العامة.
غير أن هذا لا يجعل ما يجري فيها ثانوياً. ففي الدبلوماسية متعددة الأطراف، تتحدد أهمية النص بموقعه داخل المسار السياسي وبقدرته على تثبيت مرجعيات في النقاش الدولي. والجديد في نص هذه السنة، الذي حافظ في عمومه على توجه العقدين الماضيين، هو استحضار القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025. وهو القرار الذي جدد ولاية المينورسو وأحال إلى مقترح الحكم الذاتي كأساس للتفاوض. ومعناه أن المرجعية التي تشكلت في المجلس صارت حاضرة في فضاء أممي أوسع.
وهذا هو جوهر التراكم الدبلوماسي: أن يصبح الموقف جزءاً من النقاش المؤسساتي، دون أن يعني ذلك أن الخلافات حُسمت.
ماذا تعني الـ152 دولة؟
اعتُمد هذا النص بالتوافق منذ 2006، وخضع هذه السنة للتصويت بعد طلب أمريكي شمل جميع مشاريع القرارات الـ23 المعروضة على اللجنة. فالإجراء عام ولا يخص الصحراء وحدها، ولا يصح تفسيره تحولاً أمريكياً خاصاً. لكنه أظهر مواقف الدول بالأرقام، وهذا معطى سياسي يمكن البناء عليه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول الرقم إلى غاية. فالتأييد لنص أممي لا يعني تبنياً كاملاً للموقف المغربي، وقد تعكس مواقف الدول حسابات سياسية وقانونية متعددة. المطلوب إذن فهم ما وراء الأصوات: أين يمكن تعميق التعاون، وأين لا يزال العمل مطلوباً، وكيف نميز بين التأييد الإجرائي والتقارب الفعلي.
من تثبيت المرجعية إلى اختبار التنفيذ
هنا يبدأ الجزء الأصعب. لم يعد السؤال كيف ندافع عن المقترح، بل كيف نقدم مضمونه: كيف ستُنظم المؤسسات؟ ما اختصاصاتها؟ كيف تُدبَّر الموارد؟ ما الضمانات القانونية والقضائية؟ وكيف تُحمى الحقوق والحريات وتُضمن مشاركة السكان في تدبير شؤونهم؟ هذه أسئلة لا تُؤجَّل إلى ما بعد التفاوض، فهي جزء من مصداقية المبادرة نفسها.
وهذا يتجاوز العمل الدبلوماسي إلى تنسيق حكومي، وخبرات قانونية ودستورية واقتصادية. كما ينبغي ألا تُقدَّم التنمية في الأقاليم الجنوبية مجرد سند للخطاب الخارجي، بل التزاماً تجاه المواطنين: مشاريع، وخدمات عمومية جيدة، وفرص شغل، ومشاركة في القرار. فقوة الموقف الدولي لا تنفصل عن جودة الأداء الداخلي.
تحتاج السياسة إلى حكاية (سردية وطنية)
السياسة قوانين واتفاقات، لكنها تُقنع بالرموز والحكايات. القرارات الأممية تصنع الإطار، والسرديات تصنع القبول. وبين المرجعية المعتمدة في نيويورك والتنزيل في الميدان مسافة لا تقطعها الوثائق وحدها، لذلك نحتاج إلى سردية وطنية تواكب كل خطوة. ولكي تنجح، يلزمها:
أن تستند إلى وقائع يمكن التحقق منها. وإلا صارت دعاية، والدعاية تنكشف عند أول احتكاك.
أن تخاطب جمهوراً متعدداً. فهناك من يبحث عن واقعية الحل، ومن يهتم بالضمانات القانونية، ومن يضع التنمية وحقوق الإنسان في الصدارة. ولا يصلح لهم خطاب واحد جامد.
أن تواجه السرديات المنافسة بدل تجاهلها و بأن تبيّن كيف يحقق الحكم الذاتي المشاركة والكرامة والاختيار.
أن يكون سكان الأقاليم الجنوبية فيها فاعلين لا موضوعاً للخطاب وأن تُروى بصوت الناس لا بصوت المؤسسات وحدها.
و أخيرا، أن تتسق مع الممارسة. فلا معنى للحديث عن المشاركة دون آليات لها، ولا عن الحقوق دون ضمانات.
ويقتضي بناؤها جامعات ومراكز بحث تدرس تجارب الحكم الذاتي والتسويات المقارنة، وإعلاماً يشرح الآليات الأممية بدل الاحتفاء الانفعالي، وخطاباً يخاطب الجمهور الدولي بأسئلته هو، لا بما نقوله لأنفسنا.
ما بعد القرار
أمام المغرب ثلاثة استحقاقات مترابطة: مواصلة العمل الدبلوماسي بقراءة دقيقة لمواقف الشركاء، وتطوير المضمون المؤسساتي للمبادرة، وبناء سند مجتمعي قائم على المعرفة والمشاركة. ولا تعمل هذه المستويات منفصلة: الدبلوماسية تحتاج مضموناً، والمضمون يحتاج مجتمعاً يفهمه، والتنمية تحتاج سياسات قابلة للتقييم.
لا يعني القرار أن النزاع انتهى، ولا أن الأطراف كلها تبنت القراءة المغربية. أهميته فيما يضيفه إلى مسار التراكم وفي الفرص التي يتيحها. والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس كم دولة صوتت، بل ماذا سنفعل بهذا الرصيد. فالتاريخ لا يُصنع بلحظة التصويت وحدها، بل بما تفتحه من إمكانات، وبقدرتنا على تحويلها إلى مؤسسات أكثر فعالية، وتنمية أكثر إنصافاً، ومشروع وطني يقنع المغاربة والعالم معاً.
...لماذا التصفح على التطبيق احسن
أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة

