إمارة المؤمنين بالمغرب: بين الأصالة الفقهية والمعاصرة البراغماتية

منذ ساعتين

إمارة المؤمنين بالمغرب: بين الأصالة الفقهية والمعاصرة البراغماتية

إن مسألة ارتكاز الأسر التي تعاقبت على حكم المغرب على مر تاريخه الإسلامي “من الادارسة وإلى غاية الأسرة العلوية”، على الجانب الديني من خلال مفهوم البيعة الشرعية، في تأسيس شرعية حكمها وتعميق نفوذها، شيء مسلم به لأبعد الحدود.

وهنا نتحدث عن البيعة كمفهوم شرعي وديني في الفقه والفكر السياسي الإسلاميين، حيث أشار ابن خلدون في مقدمته إلى أن البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره. (ابن خلدون، المقدمة، ج 1، ص390)

أما الماوردي فتناولها في الباب الأول من مؤلفه الأحكام السلطانية والولايات الدينية (ص 03)، والمعنون بعقد الإمامة، وهو وإن لم يذكر البيعة بالاسم، غير أن البيعة والعقد تعبيران لشيء واحد، حيث حيث ربطهما بالإمامة، التي يعتبرها “إمارة المؤمنين/ الخلافة” مَوضُوعَة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الماوردي حينما أورد الشروط اللازم توفرها في كل من الإمام وتلك التي يجب توفرها في أهل العقد والحل، لم يتطرق إلى شرط الإسلام، مما يمكن اعتبارها إشارة إلى أن ركن الأمر كله ومداره هو إسلام الإمام. حيث لا يمكن تخيل أن يكون الامام من دين غير دين الإسلام، ونفس الشيء بالنسبة لأهل العقد والحل.

إذا، ومما سبق فإن ولاية الحاكم في بلاد المسلمين من المنظور الديني، مناطة بالبيعة الشرعية باعتبارها تعاقد أو تعاهد من قبل طرفين، الإمام أو الأمير من جهة، وبين أهل العقد والحل من جهة أخرى. فموضوع تَعَهُد الطرف الأول يتمثل في حراسة الدين وسياسة الدنيا، في مقابل التزام الطرف الثاني السمع والطاعة في ما لا يخالف أوامر الله ونواهيه.

وهذا التصور نجده حاضرا وبقوة في الدستور المغربي الصادر سنة 2011، من خلال الفصل 41، والتي جاء في متنه “الملك، أمير المؤمنين وحامي الملة والدين، …”، فحماية الملة والدين الإسلامي وإقامتهما في الأرض، هي أسمى واجبات الأمير أو الخليفة. وهذا النص الدستوري، لا يمكن قراءته بشكل منفصل عن الفصل الثالث من نفس الدستور، الذي يشير إلى الهوية الدينية للدولة، باعتبار الإسلام دين للدولة.

أمام هذا التحديد المفاهيمي الذي يقصر العلاقة في منظومة “الإمامة / إمارة المؤمنين” بـ “البيعة” بين أطراف مسلمة، أصبح الخطاب السياسي الرسمي المغرب المعاصر يعمد إلى ضخ دلالات جديدة في هذا المفهوم الشرعي.

وهذا ما يمكن ملاحظته بشكل واضح في الكلمة التي ألقاها الملك محمد السادس في استقبال البابا فرنسيس بالمغرب في مارس من سنة 2019، وذلك حينما جاء في متنها، أن ملك المغرب يعتبر نفسه أميرا لجميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم مسلمون ويهود ومسحيون.

تطرح هذه النقلة المفاهيمية إشكالات معرفية وقانونية معقدة، إذ تضعنا أمام تقابل بنيوي بين المدلول الشرعي والفقهي الصارم للفظ، وبين المقاربة التأويلية الدستورية والسياسية التي تتوخى تمطيط المفهوم لاستيعاب ما لا يمكنها استيعابه، تماشيا مع ما قد يرى مؤيدو هذا التمطيط الدلالي للعبارة، بأنها متطلبات الدولة الحديثة واستحقاقات المواطنة وحقوق الإنسان.

انطلاقا من ذلك، يمكن طرح السؤال المحوري لهذه الورقة، والمتمثل فيما يلي: إلى أي حد يمكن للمفهوم المعاصر لإمارة المؤمنين “جميع المؤمنين” أن يستقيم فقهياً ولغوياً مع ركيزتي البيعة والنسب الشريف؟ وهل الغايات والأهداف المعلنة لـ “إمارة جميع المؤمنين” يستحيل تحقيقها من خلال مقتضيات دستورية أخرى ولا سيما الفصل 41 من دستور 2011؟

وسنحاول الإجابة على هذه التساؤلات من خلال النقطتين التاليتين:

أولا: المأزق الفقهي والتاريخي لـ”تمطيط المفهوم”: بين البناء الشرعي والمجاز السياسي.

يقتضي التفكيك المعرفي لمصطلح “أمير المؤمنين” العودة إلى جذوره الفقهية التأسيسية التي تجعل منه مرادفاً لـ “الإمامة العظمى” أو “الخلافة”. إن محاولة إضفاء طابع الشمولية على هذا اللفظ ليستوعب أتباع الديانات الأخرى تصطدم ببنية فقهية وتاريخية شُيدت على التمايز العقدي. سنناقش في هذا المبحث حدود التعريف الفقهي الكلاسيكي، ثم ننتقل لبحث كيف يتم توظيف “المجاز السياسي” لتجاوز هذا المأزق.

الحدود الفقهية الصارمة للمفهوم (البيعة، النسب الشريف، وعقد الذمة)

تتأسس شرعية أمير المؤمنين في الفقه السياسي الإسلامي كما أصّله الماوردي في “الأحكام السلطانية” وابن خلدون في “المقدمة”، على شروط موضوعية وعقود شرعية، لا يمكن إسقاطها على غير المسلمين إلا بنوع من التكلف والتعسف المفاهيمي والعقلي. وتظهر هذه الاستحالة الفقهية في ثلاث ركائز أساسية:

بنيوية عقد البيعة: إن البيعة في المنظور الفقهي المالكي باعتباره المذهب الرسمي للدولة المغربية، ليست مجرد تفويض سياسي مدني، بل هي عقد شرعي ذو طبيعة دينية متبادلة. يبايع فيه “المؤمنون المسلمون” ولي الأمر على السمع والطاعة، مقابل التزامه بحفظ الدين وإقامة شرائع الإسلام. بناءً على هذا، لا يمكن من الناحية الفقهية الصرفة لطبيعة هذا العقد أن تشمل غير المسلمين من اليهود والنصارى. إذ كيف يصح عقداً أن يُبايع شخصٌ حاكماً على “إقامة شريعة وحفظ ملة” هو في الأصل لا يؤمن بمصدرها العقدي والإيماني؟ فغير المسلم في الدولة الإسلامية التاريخية لم يكن فاعلاً في عقد البيعة، بل كان خاضعاً لسلطتها السياسية عبر آليات أخرى، وتحت مسميات أخرى، كأهل الذمة وأهل الكتاب.

رمزية وخصوصية النسب الشريف: يُعد انتساب سلاطين وملوك الدولة العلوية في المغرب إلى آل بيت النبي صلى الله علي وسلم، عنصراً جوهرياً في إضفاء مشروعية روحية كاريزمية على الحكم وأشخاصه. هذا النسب، يحمل قدسية ومكانة اعتبارية خاصة في الوجدان العقدي لجماعة المؤمنين “المسلمين”، حيث يُنظر إلى الحاكم كامتداد روحي للنبوة في شقها التدبيري. بالمقابل، فإن هذه الرمزية الروحية تنتفي تماماً بالنسبة لغير المسلم، فالنسب لرسول الإسلام لا يشكل لديهم أي مشروعية دينية أو لاهوتية تدفعهم للامتثال الروحي له. مما يؤكد أن دلالة اللفظ المبنية على النسب هي دلالة داخلية إسلامية-إسلامية حصراً، ولا علاقة لها بباقي المعتقدات اللاهوتية لليهود والنصارى، ولا بمواقفهم من النبي الكريم، قديما ولا حديثا.

التمايز التاريخي بين البيعة وعقد الذمة: تاريخياً، تميزت الدولة المغربية بحماية الطائفة اليهودية باعتبارهم من أهل الكتاب، لكن هذه الحماية لم تكن تتم عبر دمجهم في مفهوم “المؤمنين” أو إدخالهم في البيعة الشرعية التي تنعقد لأمير المؤمنين عند بداية عهده. بل كانت تتم عبرعقد الذمة، أو ظهائر الأمان الملكية. التي بموجبها، يلتزم السلطان بصفته رئيسا للدولة، بحمايتهم وضمان حرية معتقدهم ومحاكمهم العبرية، مقابل ولائهم للدولة وأدائهم للواجبات المالية. وبالتالي، فإن دمجهم اليوم تحت مسمى “المؤمنين” هو قفز على التمايز المفاهيمي الفقهي والشرعي، الذي كان يفصل بدقة بين المواطن المسلم المبايِع والمواطن الذمي المحمي.

2- آليات “التمطيط المقاصدي” والمجاز السياسي المعاصر.

أمام هذه الصرامة الفقهية والشرعية في تعريف المفهوم وتحديد دلالاته، ولتجنب ما قد يعتبره البعض مأزق الظهور بمظهر الدولة “الثيوقراطية” الإقصائية، والذي لا نجد له مبررا في الممارسة المغربية عبر التاريخ، اجتهدت المؤسسة الدينية الرسمية في المغرب، لتقديم قراءة مغايرة تعتمد على التأويل المقاصدي والمجاز السياسي، مستندة إلى الأدوات التالية:

التوسيع اللغوي لـ “الإيمان”: تعمد القراءة الرسمية إلى تجريد لفظ “المؤمنين” من سياقه الفقهي الخاص بالمسلمين فقط، وإعادته إلى سياقه اللغوي العام، بحيث يُصبح “المؤمن” هو كل من يؤمن بوجود الخالق وبالوحي والدار الآخرة. هذا التمطيط يسمح بإيجاد قاسم مشترك (الديانات الابراهيمية) يجمع المسلمين واليهود والمسيحيين، كـمؤمنين في مواجهة التيارات الإلحادية والمادية. وهي قراءة تحاول أن تتجاوز الفوارق العقدية الجوهرية والتناقضات المذهبية والتشريعية (كالتثليث في المسيحية)، لصالح ما يمكن وصفه بوحدة المصير الإيماني، وليس وحدة مآلات ونتائج هذا المصير.

وهذه المحاولات في توحيد مفهوم الايمان على جميع المنتسبين لـ”لديانات الثلاث”، قد تتجاهل أو تقفز على حقيقة عقدية ثابتة في جميع هاته “الأديان”، والتي عالجتها سوسيولوجيا الأديان في فكرة الحصرية الدينية (سابينو أكوافيفا وإنزو باتشي، علم الاجتماع الديني)، والتي تدور فكرتها بشكل مختصر في ما يلي: كل مؤمن بدين ما، لا يكتمل إيمانه عقائديا إلا بإيمانه بفساد أو نقصان المعتقد الايماني للآخر، وبأنه من الفئة أو الفرقة الناجية، التي تحقق إرادة الله في أرضه. وهنا نشير أيضا ونِؤكد على أن الاعتقاد بالحصرية الدينية، لا تعني بالمطلق الصدام والمواجهة، بل يمكن اعتبارها مدخلا حقيقيا للتعايش المجتمعي والتسامح الديني.

البيعة كعقد رعاية غير مباشر: لتجاوز معضلة عدم مبايعة غير المسلمين للملك، يقدم الفقه الرسمي تأويلاً مفاده أن الملك، بموجب البيعة التي طوّقه بها المسلمون، أصبح ملزماً بحفظ الكليات الخمس (النفس، العقل، النسل، المال، والدين). وحفظ “الدين” هنا لا يعني فقط الإسلام، بل يعني حماية “ظاهرة التدين” وحرية الضمير الروحي لجميع رعايا الدولة. بالتالي، فإن أمير المؤمنين يحمي المسيحي واليهودي بمقتضى عهده مع المسلمين، وليس لأن غير المسلمين بايعوه.

الوظيفية السياسية والدبلوماسية: إن هذا التمطيط لا ينبثق من حاجة فقهية داخلية بقدر ما ينبثق من ضرورة استراتيجية وسياسية للدولة. فتقديم الملك كـ “أميـر لجميع المؤمنين” قد يمنح المغرب قوة ناعمة(Soft Power) هائلة في المحافل الدولية وفي أدبيات وملتقيات “حوار الأديان”. يسعى لتسويق هذا المفهوم كنموذج للاستثناء المغربي في مكافحة التطرف، ويبرز رعاية المغرب للأقليات الدينية، مما يحول المفهوم الشرعي إلى أداة دبلوماسية براغماتية بامتياز.

وفي ختام هذه النقطة، نعتقد بأن الدستور المغربي والتراكم التاريخي الذي حققه المغرب، وما جر عليه السلوك الاجتماعي بين أبناء الشعب المغربي، من تعايش وسلم اجتماعيين بين مختلف الفئات والطوائف وبصفة خاصة بين “المسلمين واليهود”. يجعلان الدولة المغربية ومؤسساتها في غنى عن التمطيط الدلالي لمفهوم أمير المؤمنين، حتى تسوق لنفسها كدولة تحمي الأقليات الدينية وتضمن حرية ممارستهم الشعائر الدينية.

وتأسيسا على هذا الموقف، سنحاول في النقطة الثانية من هذه الورقة، توضيح وإبراز المداخل الدستورية التي نعتقد بأنها تفصل بين إمارة المؤمنين وتجعلها حكرا على المسلمين، وبين باقي المؤمنين من اليهود والنصارى، المحفوظة مواطنتهم وحقوقهم وحرياتهم في إطار إسلامية الدولة ونتيجة لها.

ثانيا: الهندسة الدستورية للفصل 41: بنية النص والفصل الوظيفي للمؤسسة الملكية.

إن الدستور المغربي الصادر في يوليوز 2011، قد تعامل مع هذه المعضلة بذكاء قانوني ونحوي. سنقوم في هذه النقطة بتفكيك النص الدستوري لنبين كيف استطاع المشرّع، من خلال الصياغة النحوية وعلامات الترقيم، حل التناقض بين الهوية الإسلامية للدولة ومتطلبات الدولة المدنية الحديثة.

1: البنية النحوية للفصل 41 (دلالة الفاصلة وواو العطف).

ينص الفصل 41 من الدستور المغربي لسنة 2011 في فقرته الأولى على ما يلي: “الملك، أمير المؤمنين وحامي الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية.”

إن التحليل الدقيق لبنية هذه الجملة من الناحية اللغوية والقانونية يكشف عن فصل وظيفي صارم تم عبر الترتيب النحوي وعلامات الترقيم.

المقطع الأول (الصفة الدينية): تبدأ الجملة بالمبتدأ الملك، تليها فاصلة تفسيرية واعتراضية لتبين الصفة الأولى أمير المؤمنين وحامي الملة والدين، نلاحظ هنا أن المشرّع ربط صفة “أمير المؤمنين” بعبارة “حامي الملة والدين” مباشرة عبر واو العطف، وجعلها محصورة بين فاصلتين، وفي القاموس الدستوري والتاريخي المغربي، “الملة والدين” هما الإسلام السني المالكي. وبالتالي، فإن سلطة الملك هنا كـ “أمير للمؤمنين” هي سلطة دينية إسلامية محددة المضمون وموجهة لحفظ العقيدة الإسلامية للمواطنين المسلمين.

المقطع الثاني (الصفة السياسية): بعد الفاصلة الثانية، تأتي جملة جديدة معطوفة: والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية. من الناحية النحوية، فإن اسم الفاعل “الضامن” يعود ويُعطف مباشرة على المبتدأ الأول وهو “الملك” بصفته رئيساً للدولة، وليس على “أمير المؤمنين”.

ومن خلال التقسيم السابق يمكن ملاحظة أهمية الفاصلة في منع الدمج الشرعي بين مهام مؤسسة الملك كأمير للمؤمنين والملك كرئيس للدولة، فلو أراد المشرّع الدستوري جعل “ضمان حرية الشؤون الدينية” (بما فيها المسيحية واليهودية) وظيفة تنبثق من صفة “أمير المؤمنين”، لحذف الفاصلة ولصاغ النص كالتالي: “الملك، أمير المؤمنين وحامي الملة والدين والضامن…”. إن وضع الفاصلة واستئناف العطف، أحدث قطيعة دلالية، فالملك يضمن الشؤون الدينية لجميع المواطنين (مسلمين وغير مسلمين) بصفته رئيساً للدولة وعنوان سيادتها المدنية بموجب الدستور، وليس بصفته الروحية كـ “أمير للمؤمنين”.

2-الأبعاد القانونية والسياسية للفصل الوظيفي بين “الملك” و”أمير المؤمنين”.

إن هذا التفكيك اللغوي والترقيمي ليس ترفاً نحوياً، بل هو هندسة قانونية مقصودة تُحقق للدولة المغربية توازناً استراتيجياً بين شرعيتين:

تأسيس المواطنة على الوثيقة الدستورية لا على الصفة الروحية: من خلال جعل “الملك” (وليس أمير المؤمنين) هو ضامن الشؤون الدينية، حيث نجح الدستور في حماية حقوق الأقليات الدينية (اليهود المغاربة والمسيحيين المقيمين)، بناءً على مفهوم المواطنة الحديثة والعقد الدستوري المستفتى عليه شعبياً. هذا التخريج يرفع الحرج عن غير المسلمين، فهم يخضعون لـ “الملك” الضامن لحرياتهم بموجب الدستور، ولا يُطالبون بالاندماج تحت سلطة “أمير المؤمنين” بمفهومها العقدي الذي قد يتناقض مع معتقداتهم الشخصية.

التحصين القانوني للمؤسسة الدينية: من جهة أخرى، يتيح هذا الفصل الوظيفي الاحتفاظ بصفة “أمير المؤمنين” كحِصن روحي حصري للمسلمين. ويظهر ذلك في بقية فقرات الفصل 41 نفسه، حيث ينص على أن الملك بصفته أميراً للمؤمنين هو الوحيد الذي يترأس المجلس العلمي الأعلى، والوحيد المخول له إصدار الفتاوى الرسمية. هذا يعني أن “إمارة المؤمنين” في ممارستها التشريعية والفقهية تظل إسلامية، بينما يمارس الملك وظائفه التعددية تحت مظلة “الملك الضامن والساهر على احترام الدستور” (حسب الفصل 42).

ازدواجية الخطاب (البراداوكس البراغماتي): يتيح هذا التركيب النحوي المرن للدولة ممارسة نوع من “الازدواجية البراغماتية”. فعلى المستوى القانوني والدستوري الصارم، هناك فصل بين “الملك الضامن المدني” و”الأمير الحامي الديني”. أما على مستوى الخطاب السياسي الخارجي والدبلوماسي، تعمد الدولة إلى دمج العبارتين مجازياً لتبدو عملية ضمان حريات الأديان وكأنها مأثرة وفضيلة من فضائل مؤسسة إمارة المؤمنين المنفتحة، وهو ما يخدم الصورة الدولية للمملكة.

في نهاية هذه الورقة، يمكن القول إن عبارة “أمير جميع المؤمنين” (بمفهومها الشامل للأديان الثلاثة) تمثل نموذجاً لمنهجية السلطة في التمطيط الدلالي للمفاهيم السياسية والدينية، الذي يحاول إخراج مفهوم إمارة المؤمنين من دلالة التعريفيات الفقهية الأصيلة، ليؤدي وظيفة سياسية ودبلوماسية حديثة.

لقد تبيّن من خلال التحليل الفقهي (النقطة الأولى) أن ركيزتي البيعة والنسب الشريف، إلى جانب الخصوصية العقدية للإيمان، الخاصة بكل دين من الأديان المعنية، تجعل من الصعب لغوياً وشرعياً سحب هذا اللفظ على جميع المؤمنين، إلا على سبيل المجاز، ولتحقيق غايات سياسية للدولة ومؤسساتها.

ومع ذلك، أظهر التحليل الدستوري (النقطة الثانية) عبقرية المشرّع المغربي في صياغة الفصل 41، حيث نجحت “الفاصلة الدستورية” وواو العطف في إحداث فصل وظيفي صارم، يحمي أصالة المنصب الروحي لأمير المؤمنين بحماية الملة الإسلامية، وفي نفس الوقت يؤسس لمعاصرة الدولة، باعتبار الملك الدستوري رئيس الدولة، الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية لكل الطوائف.

إن محاولة المؤسسات الرسمية بالمغرب من أجل إعادة تدوير وتحوير بعض المفاهيم الشرعية والفقهية “إمارة المؤمنين”، قد تدفع إلى الاعتقاد بأن الغاية قد تتجاوز ما هو معلن، إلى محاولة تستهدف تمييع المؤسسات الشرعية وتقويض مصادر مشروعيتها، ضمن مسار، ربما يبتغي إلغاءها في لحظة ما. وإن من شأن هذه المناورات اللغوية والسياسية لتطويع النصوص الشرعية والنصوص الدستورية، أن تساهم في فقدان هذه المؤسسات مكانتها الاجتماعية وشرعيتها الدينية وأصالتها التاريخية.

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من العمق المغربي ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة