التوجيه التربوي في زمن الذكاء الاصطناعي: أداة تساعد التلميذ ولا تقرر مكانه

منذ ساعتين

التوجيه التربوي في زمن الذكاء الاصطناعي: أداة تساعد التلميذ ولا تقرر مكانه

يقف التلميذ في كل سنة دراسية أمام قرار يرسم جزءاً من مستقبله: أي مسار يختار؟ وأي شعبة أو مؤسسة تناسب ميوله وقدراته؟ وهنا يظهر دور التوجيه التربوي، الذي لم يعد اليوم معزولاً عن التحولات التكنولوجية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

التوجيه ليس اختياراً عشوائياً

التوجيه التربوي سيرورة تكوينية تدخل فيها عوامل كثيرة. ويقصد به عموماً مجموعة المهارات والقدرات والمعلومات التي يستعملها المتعلم لاختيار المسار المناسب له. ولا يقوم الاختيار الجيد على الصدفة، وإنما على معلومة صحيحة ودقيقة، وعلى فهم المحيط العائلي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعيش فيه التلميذ. فقد يعرف التلميذ ميوله جيداً، لكنه لا يعرف المسالك المتاحة، أو لا يجد من يشرح له شروط الولوج وآفاق التشغيل. وقد يعرف المسالك المتاحة، لكن طموحه يدفعه نحو ما يرغب فيه لا نحو ما يناسبه.

عالم يتغير

تغيّر المشهد التعليمي في السنوات الأخيرة. فمنذ جائحة كورونا ازداد الاعتماد على التعلم عن بعد والتعلم الذاتي، وصارت المعلومة الدراسية متاحة في متناول اليد. ثم دخل الذكاء الاصطناعي، فأضاف إلى هذا التحول بعداً جديداً يمس المتعلمين والمتعلمات في طريقة بحثهم وتعلمهم، وربما في طريقة اختيارهم لمساراتهم. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يتأثر التوجيه بهذا الواقع؟

ما الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي فرع من علوم الحاسوب يهدف إلى إنشاء أنظمة قادرة على أداء مهام تتطلب عادةً ذكاءً بشرياً، مثل التعلم والاستنتاج والإدراك. وتتجسد هذه الأنظمة في منصات وتطبيقات تُستعمل في مجالات متعددة، كالصحة والهندسة. أما الأدوات التي يتداولها التلاميذ اليوم، فهي في الغالب أنظمة توليدية، تستقبل ما يكتبه المستعمل وتعالجه بسرعة، وتولّد نصوصاً أو صوراً أو أفكاراً بناءً على أنماط إحصائية تعلمتها من بيانات ضخمة. وهي ليست معصومة من الخطأ، ويقوم مطوروها بتحديثها دورياً بإعادة تدريبها على بيانات جديدة.

ماذا يقدم للتلميذ؟

يمكن للمتعلم أن يستفيد من هذه الأدوات في تعلمه وتطوير قدراته وتحسين تحصيله الدراسي. فهي تشرح له مفهوماً صعباً بطرق متعددة، وتقترح عليه تمارين، وتساعده على تنظيم وقته ومراجعة دروسه.

وفيما يخص التوجيه تحديداً، تستطيع هذه الأدوات مساعدة التلميذ على جمع المعلومات والمعطيات الخاصة بكل مؤسسة، من المدارس العليا والمعاهد الوطنية والدولية، خاصة في ظل كثرة المعلومات وتعدد المواقع الإلكترونية. فبدل أن يضيع التلميذ وأسرته وقتاً طويلاً بين المواقع والمنتديات، قد يجد في دقائق ملخصاً منظماً لشروط الولوج ومواد التكوين وآفاقه المهنية، فيختصر الوقت والجهد. كما يستطيع أن يطرح أسئلته الخجولة، تلك التي لا يجرؤ على طرحها أمام أستاذه أو أسرته، فيتلقى جواباً هادئاً لا يحكم عليه.

لكن الحذر واجب

لا ينبغي أن ننسى أن للذكاء الاصطناعي حدوداً، وأن الإفراط في استعماله قد يضرّ بتحصيل التلميذ وبقدرته على التفكير. وتبرز في مجال التوجيه على الخصوص أربعة مخاطر:

دقة المعلومة: قد تقدم هذه الأدوات معلومات خاطئة أو قديمة بثقة كبيرة، كشروط ولوج تغيّرت أو مسالك لم تعد موجودة. فلا بد من التحقق منها في المصادر الرسمية، كالمواقع الإلكترونية الرسمية للمدارس والمعاهد العليا والوزارة.

الانحياز: تتعلم هذه النظم من بيانات قد تحمل أحكاماً مسبقة، فتعيد إنتاجها، كأن تُوصي متعلماً من أسرة محدودة الدخل بمسارات بعينها دون سواها.

البيانات الشخصية: يُدخل التلميذ معلومات عن نقطه وأسرته وميوله في منصات لا يعرف كيف تحفظها أو تستعملها.

التفاوتات الاجتماعية: ليس كل التلاميذ يملكون حاسوباً واتصالاً جيداً بالإنترنت، خاصة في القرى والمناطق النائية، فقد يتحول هذا التقدم إلى امتياز لفئة دون أخرى.

المستشار في التوجيه التربوي في قلب العملية

الاختيار الدراسي ليس مجرد عملية حسابية بين نقط ومعدلات. إنه حوار مع التلميذ عن قيمه وأحلامه وقلقه، ومع أسرته عن إمكاناته وانتظاراتها. وهذا ما لا تستطيع منصة أن تحلّ فيه محلّ المستشار في التوجيه التربوي والمدرس والأسرة. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مساعداً في جمع المعلومات وتبسيطها، أما القرار فيبقى للتلميذ بمواكبة من أهل الاختصاص.

توصيات

ولكي يتحول هذا الواقع إلى فرصة لا إلى مصدر ارتباك، أقترح التوصيات الآتية، موزعة بحسب الجهات المعنية:

للمسؤولين عن المنظومة التربوية:

إحداث بوابة رسمية للتوجيه تجمع معلومات المسالك والمؤسسات وشروط الولوج وآفاق التشغيل في مكان واحد موثوق ومحدّث، يُرجَع إليها التلميذ وتُغذّى بها الأدوات الذكية، فيقلّ خطر المعلومة الخاطئة.

إدماج التربية على الذكاء الاصطناعي في المناهج، بحيث يتعلم التلميذ كيف يستعمله وكيف يتحقق من نتائجه ومتى يستغني عنه.

وضع إطار واضح لحماية المعطيات الشخصية للتلاميذ عند استعمال هذه الأدوات في الفضاء المدرسي، بما يتوافق مع التشريع الوطني في هذا المجال.

إطلاق تجارب نموذجية محدودة في مؤسسات من أوساط مختلفة، حضرية وقروية، وتقييمها قبل التعميم، بدل اعتماد حلول جاهزة لم تُختبر في واقعنا.

تجهيز المؤسسات بالربط والمعدات اللازمة، حتى لا يضيف الذكاء الاصطناعي فجوة جديدة إلى الفوارق القائمة بين تلاميذ المدينة وتلاميذ القرية.

للمستشارين في التوجيه التربوي والمدرسين:

تكوين مستمر على الاستعمال الواعي لهذه الأدوات، وعلى تقييم مخرجاتها، ليكونوا مرجعاً للتلاميذ.

اعتماد الأداة وسيطاً لا بديلاً: تُستعمل لجمع المعلومات وتبسيطها، ثم يُخصّص وقت الحوار مع التلميذ لما لا تقدر عليه الآلة، كالميول والقيم والقلق والطموح.

للتلاميذ:

تحقق من أي معلومة عن مسلك أو مؤسسة بمصدر رسمي ثانٍ قبل أن تبني عليها قرارك.

لا تُدخل بياناتك الشخصية (النقط الكاملة، عنوان البيت، وثائق الأسرة) في أي منصة لا تعرف سياستها.

اجعل الأداة بداية الحوار لا نهايته: اطرح أسئلتك عليها، ثم ناقش ما وجدت مع أسرتك ومستشارك.

للأسر:

رافقوا أبناءكم ولا تقرروا عنهم: اسألوهم عن ميولهم، واقرؤوا معهم المعلومات، وامنحوهم المساحة ليختاروا ويتحملوا مسؤولية اختيارهم.

خلاصة

أمامنا اليوم فرصة حقيقية لتقريب المعلومة من التلميذ وتخفيف العبء عن المؤسسات، لكن نجاحها مرهون بثلاثة شروط: تكوين المستشارين والمدرسين على استعمال هذه الأدوات استعمالاً واعياً، وتنشئة التلاميذ على النقد والتحقق بدل التلقي السلبي، ووضع ضوابط صارمة تحمي بياناتهم. فالتكنولوجيا قد تنير الدرب، أما السير فيه فمسؤولية التلميذ بمواكبة أسرته ومدرسيه.

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من العمق المغربي ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة