حين تسقط الأقنعة

منذ ساعتين

حين تسقط الأقنعة

لم يعد مقبولا أن يستمر التلاعب بحقيقة النزاع حول الصحراء المغربية، أو أن تظل الجزائر تختبئ خلف واجهة البوليساريو، لتوهم المنتظم الدولي بأن الأمر يتعلق بنزاع بين طرفين متكافئين، بينما الحقيقة السياسية والتاريخية تقول إن المشكل الحقيقي هو مع الجزائر، وإن البوليساريو ليست سوى أداتها في إدارة هذا النزاع وإطالة أمده.

إن تصريح المسؤول الخارجي لجبهة البوليساريو، محمد يسلم بيسط، بشأن استعداد الجبهة للتفاوض مع المغرب تحت قيادة الأمم المتحدة، لا يمكن قراءته باعتباره تحولا سياسيا مستقلا عن السياق الذي أنتجته التحولات الأخيرة في ملف الصحراء. فالمغرب لم يعد في حاجة إلى مفاوضات تعيدنا إلى نقطة البداية، ولا إلى عروض تفاوضية تلتف على جوهر القضية، وتستمر في تجاهل الطرف الذي يملك القرار الفعلي في هذا النزاع.

لقد انتهى زمن التلاعب بالأدوار، وانتهى زمن الاختباء وراء الكيانات المصطنعة لتفادي تحمل المسؤولية. وإذا كانت الجزائر حاضرة في صناعة النزاع، وفي تمويله وتوجيهه واحتضانه، فلا يمكن أن تظل غائبة عن استحقاقات الحل. لا يستقيم أن تكون طرفاً في صناعة الأزمة، ثم تقدم نفسها باعتبارها مجرد مراقب، أو أن تدفع بالبوليساريو إلى واجهة التفاوض بينما تحتفظ لنفسها بمفاتيح القرار.

إن المطلوب اليوم هو الانتقال من سياسة تدوير المفاوضات إلى سياسة تسمية الأشياء بمسمياتها. فالمغرب لا يرفض السلام، ولا يغلق أبواب التسوية السياسية، لكنه يرفض أن تتحول المفاوضات إلى وسيلة لتعليق الزمن، أو إلى منصة لإعادة إنتاج أطروحات استنفدت مشروعيتها السياسية. لقد قدم المغرب مبادرته للحكم الذاتي باعتبارها حلا واقعيا وجادا وذا مصداقية، وأصبحت هذه المبادرة تحظى بمكانة متقدمة في مسار التسوية الأممية، في سياق دولي يتجه بصورة متزايدة نحو الواقعية والبحث عن حل سياسي قابل للتطبيق.

ومن هنا، فإن أي حديث عن استئناف المفاوضات ينبغي أن ينطلق من التحولات التي عرفها الملف، ومن المرجعيات والقرارات الدولية ذات الصلة، لا من محاولة إحياء شروط تجاوزها الزمن. فالمغرب لا يتفاوض على مغربية صحرائه، وإنما يظل منفتحا على تسوية سياسية في إطار مبادرة الحكم الذاتي وتحت السيادة المغربية، وفق المرجعيات الدولية المعتمدة.

إننا أمام لحظة سياسية لا تحتمل ازدواجية الخطاب. فإما أن نكون منسجمين مع التحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة، وأن نمتلك شجاعة بناء خرائط جديدة للتعاون والتكامل، تفتح الطريق أمام وحدة مغاربية حقيقية، يعتبرها المغرب خيارا استراتيجيا ومصيرا مشتركا لشعوب المنطقة، وإما أن تستمر الجزائر في الاستثمار في نزاع لم يعد ينتج سوى استنزاف الإمكانات وتعطيل التاريخ، وعندها سيكون عليها أن تتحمل تبعات خياراتها السياسية، وأن تخرج من منطقة المناورة إلى وضوح المواقف والمسؤوليات.

فالمواجهة هنا ليست دعوة إلى التصعيد، وإنما إعلان عن نهاية زمن الغموض الدبلوماسي، والانتقال إلى المكاشفة السياسية واللعب على المكشوف. فالمغرب يعرف ما يريد، ويعرف أين يقف، ويملك من عناصر القوة التاريخية والدبلوماسية والمؤسساتية ما يجعله قادرا على حماية وحدته الترابية، ومواصلة الدفاع عن حقوقه المشروعة بالاحتكام إلى الشرعية الدولية.

لقد آن الأوان لكي تفهم الجزائر أن استمرار النزاع لن يغير الحقائق، وأن الرهان على إطالة أمده لن يعيد عقارب التاريخ إلى الوراء. فالمغرب لم يعد يتعامل مع الملف بمنطق رد الفعل، بل بمنطق الدولة التي راكمت المكاسب، ووسعت دوائر الاعتراف بمبادرتها، وأصبحت تتحدث من موقع وضوح الرؤية والثقة في المستقبل.

إن الوحدة المغاربية لا يمكن أن تبنى على إنكار الحقائق، ولا على صناعة الكيانات الوهمية، ولا على تحويل الخلافات السياسية إلى أزمات مفتوحة بين الشعوب. إنها تحتاج إلى شجاعة الاعتراف، وإرادة تجاوز الحسابات الضيقة، والانتقال من منطق الصراع إلى منطق المصالح المشتركة.

لقد سقطت الأقنعة، وحان وقت تحمل المسؤولية. ومن أراد التفاوض من أجل المستقبل، فعليه أولا أن يتحمل مسؤولية الماضي، وأن يتحدث بوضوح عن الحاضر. أما المغرب، فسيظل ثابتا في وحدته الترابية، منفتحا على السلام، ومتشبثا بحقه، ومحتكما إلى الشرعية الدولية. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والتحولات الكبرى لا تترك مكانا لمن يصر على العيش في خرائط الأمس.

...

الخبر كامل

اكتشف كل المزايا على التطبيق

✅ سريع

✅ سهل الاستخدام

✅ مجاني

إبدا الان
اقتراحات قد تعجبك من الاتحاد الاشتراكي ⬇️
news-stack-on-news-image

لماذا التصفح على التطبيق احسن

أخبار المغرب من أهم المواقع الالكترونية والجرائد الالكترونية المغربية ذات مصداقية وبكل حياد. جولة في الصحافة ومقالات وتحليلات أخبار سياسية واقتصادية ورياضية وثقافية وحقوقية، تغطيات خاصة، و آخر أحداث عالم الطب والتكنولوجيا. أخبار المغرب العاجلة نظام ذكي يختار لك أفضل الأخبار من أفضل المواقع والجرائد الالكترونية ويرسل تنبيهات فورية للأخبار العاجلة